عندما وصل الوفد الاقتصادي الإماراتي إلى بيروت، ارتفعت التوقعات في لبنان. فقد قُدّمت الزيارة باعتبارها فرصة لإعادة فتح الباب أمام الاستثمارات الخليجية، واستعادة جزء من الثقة التي فقدها الاقتصاد اللبناني خلال سنوات الانهيار. لكن أهمية أي زيارة اقتصادية لا تُقاس فقط باللقاءات والصور والرسائل الإيجابية، بل بقدرتها على إنتاج مشاريع فعلية واستثمارات مستدامة. فالاقتصادات لا تستعيد النمو عبر الزيارات وحدها، بل عبر بناء بيئة قادرة على جذب رأس المال والحفاظ عليه. وفي هذا السياق، تكتسب قضية مجموعة الحبتور أهمية خاصة. فخروج مستثمر بحجم هذه المجموعة من لبنان لا يمكن اختزاله في قرار تجاري يخص شركة واحدة، لأن المستثمرين الكبار يؤدون دوراً يتجاوز حجم استثماراتهم المباشرة. وجودهم في سوق معينة يرسل إشارة ثقة إلى بقية المستثمرين، بينما خروجهم يفتح باب التساؤلات حول البيئة الاستثمارية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بقرار خروج مجموعة الحبتور، بل بالظروف التي أحاطت بهذا القرار. فالمجموعة لم تدخل إلى لبنان وهي تبحث عن الانسحاب، بل عادت قبل نحو عام بقلب منفتح على السوق اللبنانية، وبنية واضحة لتعزيز حضورها وتوسيع أعمالها. وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها: كيف انتقل مستثمر بهذا الحجم من مرحلة الانفتاح والاستعداد للتوسع إلى قرار مفاجئ بإغلاق أعماله؟ وهل تمكنت المؤسسات المعنية، من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة مجلس الوزراء والجهات المختصة بالاستثمار، في ظل واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية التي شهدها لبنان، من التقاط هذه الفرصة وتحويلها إلى شراكة طويلة الأمد، ومعالجة الهواجس التي دفعت إلى تغيير مسار القرار الاستثماري؟ ففي الدول التي تتنافس على جذب الاستثمارات، لا تنتهي مهمة الدولة عند استقبال المستثمر، بل تبدأ عندما تظهر المشكلات. فالمستثمر يحتاج إلى أن يشعر بأن هناك مؤسسات قادرة على متابعة ملفه، وحماية أعماله، وتسوية النزاعات التي قد تعترض طريقه. فالاستثمار لا يحتاج فقط إلى فرص، بل إلى دولة قادرة على إدارة هذه الفرص. وقد لخّص الصحافي والمحلل نضال السبع هذا المعنى بقوله إن “خلف الحبتور هو بمثابة الميزان؛ البلد الذي يدخل إليه هو مؤشر على تعافي هذا البلد اقتصادياً، ومجرد أن يخرج من أي بلد فهو مؤشر على وجود أزمة اقتصادية مقبلة”. ورغم أن هذه العبارة لا يمكن اعتبارها قاعدة اقتصادية مطلقة، فإنها تعبّر عن واقع معروف في حركة رؤوس الأموال، وهو أن قرارات المستثمرين الكبار تحمل أحياناً قيمة رمزية تتجاوز حجم الاستثمار نفسه، لأنها تؤثر في توقعات المستثمرين الآخرين. في اقتصاد الثقة، لا تتحرك رؤوس الأموال خلف الأرباح فقط، بل خلف الإشارات أيضاً. فعندما يدخل اسم خليجي كبير إلى سوق معينة، فإن ذلك يعطي انطباعاً بأن البيئة الاستثمارية بدأت تتحسن، وأن المخاطر قابلة للإدارة. أما عندما ينسحب هذا الاسم، فإن المستثمرين المحتملين يعيدون تقييم حساباتهم، ليس بالضرورة لأنهم سيغادرون فوراً، بل لأنهم يطرحون أسئلة أكثر صعوبة حول استقرار السوق. ومن هنا تأتي أهمية مقارنة المشهد اللبناني بالتطورات في سوريا. فقد بدأت سوريا خلال الفترة الأخيرة تستقطب اهتماماً خليجياً متزايداً في إطار البحث عن فرص مرتبطة بإعادة الإعمار والقطاعات الإنتاجية. ولا يعني ذلك أن سوريا أصبحت بديلاً جاهزاً للبنان، أو أن ظروفها الاقتصادية أقل تعقيداً، لكن الرسالة الاقتصادية واضحة: رأس المال يبحث عن الأسواق التي يرى فيها مؤشرات على تغيّر البيئة وقدرة المؤسسات على مواكبة المستثمرين. فدخول مستثمرين كبار إلى سوق معينة يمكن أن يعمل كقاطرة تجذب خلفها شركات أخرى. وبالمقابل، فإن خروج مستثمر بحجم الحبتور لا يعني تلقائياً خروج بقية المستثمرين، لكنه يفرض سؤالاً مشروعاً أمام كل مستثمر محتمل: لماذا خرج؟ وما المخاطر التي دفعته إلى اتخاذ هذا القرار؟ المشكلة الأساسية في لبنان ليست غياب الفرص. فالبلد يمتلك موقعاً جغرافياً مميزاً، وموارد بشرية، وقطاعات يمكن أن تستعيد دورها الإقليمي. لكن الأزمة تكمن في ضعف عناصر الثقة: بطء معالجة النزاعات، وعدم وضوح القواعد، وضعف الحوكمة، وعدم قدرة المؤسسات أحياناً على إعطاء المستثمر ضمانات كافية. ولهذا فإن زيارة الوفد الإماراتي يجب ألا تُقاس فقط بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بما إذا كانت ستؤدي إلى معالجة هذه العوامل وتحويل الاهتمام الخليجي إلى مشاريع واستثمارات. فالمستثمر لا يحتاج فقط إلى دعوة للاستثمار، بل إلى دليل عملي على أن الدولة قادرة على حماية استثماره ومواكبة مشكلاته. في النهاية، لا تكمن القضية في زيارة وفد أو خروج شركة، بل في الرسالة التي تصل إلى الأسواق. فالإمارات ودول الخليج تمتلك دوراً مهماً في دعم الاقتصاد اللبناني، لكن المبادرات الخارجية تحتاج دائماً إلى شريك دا