تبدو صورة الحزب الديمقراطي الأميركي أكثر تعقيدًا من الانطباع الذي تصنعه انتصارات مرشحين من اليسار الاشتراكي والمؤيد للفلسطينيين، إذ تشير دراسة جديدة إلى أن التيار الأكثر راديكالية لا يزال الأقل حجمًا داخل الحزب، فيما تكمن المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى إسرائيل في الوسط الديمقراطي الذي ما زال يؤيد التحالف معها، لكنه بات أكثر استعدادًا لربط هذا الدعم بتغييرات فعلية في سياساتها. وبحسب مقال رأي للدكتور أفيشاي بن ساسون-غورديس والبروفيسور تيد ساسون في "القناة 12" الإسرائيلية، فإن سلسلة الانتصارات الأخيرة لمرشحين من اليسار الاشتراكي والمؤيد للفلسطينيين في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في نيويورك وكولورادو وميشيغان رسخت انطباعًا بأن الحزب بأكمله بات "مفقودًا" بالنسبة إلى إسرائيل. لكن الكاتبين يشددان على أن هذه السباقات لا تمثل سوى جزء ضئيل من مئات مقاعد الكونغرس التي ستُحسم في انتخابات التجديد النصفي في 3 تشرين الثاني. وفي ظل تزايد التقديرات بأن الديمقراطيين قد يستعيدون السيطرة على مجلس النواب، وربما على مجلس الشيوخ أيضًا، يعتبر الكاتبان أن السؤال عما إذا كانت هذه التيارات تمثل بالفعل الوجه الجديد للحزب الديمقراطي بات مسألة حاسمة بالنسبة إلى إسرائيل. وفي دراسة جديدة، اعتمد الباحثان 3 معايير لتصنيف مواقف أعضاء الكونغرس والمرشحين من إسرائيل: التصويتات الأخيرة المتعلقة بفرض قيود على المساعدات الأمنية لإسرائيل، واستخدام مصطلحي "الأبارتهايد" و"الإبادة الجماعية" لوصف سياساتها، وطبيعة المجموعات التي منحت دعمًا للمرشحين، وما إذا كانت مؤيدة لإسرائيل أو معارضة لها. ووفق هذا التصنيف، وُضع من اتخذوا مواقف نقدية تجاه إسرائيل في المعايير الـ3 ضمن "اليسار التقدمي"، بينما صُنّف الذين عارضوا القيود على المساعدات، وتجنبوا استخدام المصطلحات الحادة، وحصلوا على دعم اللوبي المؤيد لإسرائيل، ضمن "المؤسسة المؤيدة لإسرائيل". أما بين هذين المعسكرين، فيوجد ما يسميه الباحثان "المركز التقدمي"، الذي يؤيد استمرار العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، لكن مع تغييرات كبيرة. فأعضاء هذا التيار يؤيدون فرض قيود على المساعدات الأمنية في ضوء بعض الخطوات الإسرائيلية، لكن من دون وقفها بالكامل، ويوجهون انتقادات حادة لإسرائيل من دون اتهامها بالإبادة الجماعية أو الأبارتهايد، كما أنهم مستعدون لتلقي دعم من مجموعات تعرف نفسها بأنها صهيونية ومؤيدة لإسرائيل. ويشير الباحثان إلى وجود أعضاء ذوي مواقف وسطية أيضًا بين كل واحد من المعسكرات الـ3. وخلافًا للانطباع السائد أحيانًا، فإن اليسار التقدمي المؤيد للفلسطينيين والمعادي لإسرائيل هو أصغر التيارات داخل الحزب، إذ يضم حاليًا 24 عضوًا من أصل 259 مقعدًا في الكونغرس الحالي. ومن المتوقع أن يرتفع عددهم قليلًا في الانتخابات المقبلة إلى نحو 32 عضوًا، لكنهم سيبقون الكتلة الأصغر. في المقابل، يضم معسكر المؤسسة المؤيدة لإسرائيل حاليًا نحو 93 عضوًا، ومن المتوقع أن ينخفض عددهم قليلًا إلى نحو 88. أما المعسكر الأكبر فهو المركز التقدمي، الذي يضم اليوم 109 ممثلين، ومن المتوقع أن يحافظ على حجمه تقريبًا. ويقر الباحثان بأن توقعات شكل الكونغرس المقبل أقل دقة من توصيف الوضع الحالي، لكنهما يريان أنه يمكن استخلاص عدد من الاستنتاجات المهمة. أولها أن الاعتقاد بأن اليسار التقدمي هو الوجه الحقيقي للحزب الديمقراطي لا يتطابق مع الأرقام الفعلية، بل إن هذا الانطباع لا ينسجم حتى مع توجهات قاعدة الحزب، التي تبدو أكثر سلبية تجاه إسرائيل مما يظهر في عدد المشرعين. وفي المقابل، يؤكد المقال أن الزخم العام يسير حاليًا في اتجاه أقل دعمًا لإسرائيل. ويعود ذلك جزئيًا إلى الارتفاع، وإن كان محدودًا، في عدد مقاعد اليسار الأكثر تشددًا، لكن الأهم، بحسب الباحثين، هو التحول داخل مركز الثقل في الحزب، الذي أصبح أكثر تشككًا تجاه إسرائيل وتجاه حجم الدعم المقدم لها. وهذا التغير لا ينعكس فقط في عدد أعضاء التيار الوسطي، بل بصورة أكبر في مواقفهم وتصويتاتهم المتعلقة بإسرائيل. فهم لا يزالون يؤيدون التحالف معها، لكنهم يعتقدون أن على الولايات المتحدة ربط هذا الدعم بتغيير في السياسات الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، يشدد الباحثان على أن الحزب الديمقراطي ليس كتلة واحدة، وأن أعضاءه ما زالوا منفتحين على تغيير مواقفهم تجاه إسرائيل. ويرى المقال أن العودة السريعة إلى مستوى الدعم شبه المطلق الذي كانت تتمتع به إسرائيل داخل الحزب قبل الحرب أصبحت مستحيلة في المرحلة الحالية. لكن البيانات، وفق الباحثين، تشير إلى أن إسرائيل لا تزال قادرة على إعادة بناء الدعم من الحزبين. ويعتبران أن هذه مسألة إيجابية ومهمة، لأن الرئيس الأميركي الحالي ليس محبوبًا على نطاق واسع، وتنتهي ولايته بعد عامين، فيما