في ندوة ضمن فعاليات معرض بيروت الدولي للكتاب، استعادَت رنا إدريس مسيرة الدار التي أسّسها سهيل إدريس العام 1956، من حلم النهضة العربية وتحديث الأدب، إلى مواجهة الرقابة والانحياز إلى فلسطين والأسرى. استعادة التاريخ تفتح سؤالاً عن كيفية أن يكون لمشروع ثقافي سبيلٌ من المحافظة على روحه في زمن تغيّرت فيه القراءة والسوق والعلاقة بالكتاب؟ عاد سهيل إدريس إلى بيروت العام 1952 بعد إنهاء الدكتوراه في الأدب العربي في جامعة السوربون، وقرر إصدار مجلة ثقافية. أراد أن يساهم في بناء فضاء عربي تتلاقى فيه الأصوات والأفكار، وأن يمنح الثقافة دوراً في تحقيق ما عجزت السياسة عن إنجازه: الاقتراب من فكرة الوحدة العربية، وتكوين إنسان عربي جديد، أكثر وعياً بتحوّلات عصره وأكثر قدرة على المشاركة فيها. من هذا الحلم بدأت الحكاية التي استعادتها الناشرة رنا إدريس في ندوة "دار الآداب: سبعون عاماً للثقافة والفنون" التي حاورها فيها الدكتور بلال الأرفه لي. حكاية بدأت بمجلة العام 1953، قبل أن تتوسّع إلى دار نشر تأسست العام 1956، وتحوّلت، بحسب إدريس، إلى مشروع ثقافي يشكّل سنداً في علاقة الأدب بالسياسة والتحرّر والحرية. استعادة سبعين عاماً من تاريخ دار الآداب يترافق مع استعادة للأفكار التي ساهمت في إطلاقها، وبالمواقف التي اتخذتها، وبقدرتها على الاستمرار حين تتغيّر شروط الثقافة نفسها. ومن هنا، تبدو تجربة الآداب مدخلاً إلى سؤال أوسع عن الدور الذي يمكن أن يؤديه الكتاب في مجتمعات تتنازعها السياسة والرقابة والسوق والتحوّلات الاجتماعية. تروي رنا إدريس: "كانت مجلة الآداب نقطة الانطلاق. عاد سهيل إدريس من باريس حاملاً طموحاً يتجاوز حدود تجربته الفردية، وسعى إلى تأسيس مجلة تجمع الأصوات العربية، وتكون لها وظيفة نهضوية تتخطّى الحدود الجغرافية والسياسية. وبالتعاون مع دار العلم للملايين، انطلقت المجلة العام 1953، قبل أن يقرّر توسيع المشروع بتأسيس دار الآداب بعد ثلاث سنوات، بالشراكة مع زوجته عايدة مطرجي إدريس. وتشدّد رنا إدريس على ضرورة عدم إغفال دور عايدة مطرجي إدريس في هذه التجربة التأسيسية، باعتبارها شريكة في بناء المشروع منذ بداياته. وهي إشارة مهمّة في قراءة تاريخ المؤسسات الثقافية، حيث غالباً ما تتقدّم سيرة المؤسّس الفرد على حساب الشراكات والأدوار التي ساهمت في صناعة التجربة واستمرارها. بيروت في تلك المرحلة كانت مكاناً يحتضنُ دار نشر جديدة. أتاحت المدينة، بما تمتلكه من حيوية ثقافية وانفتاح على العالم العربي، إمكانَ بناء مشروع يتوجّه إلى قارئ يتجاوز حدود بلده. وكان الرهان أن تؤدي الثقافة دوراً في تشكيل وعي عربي جديد، في حين كانت مشاريع الوحدة والتحرّر والاستقلال حاضرة بقوة في المخيال السياسي. ارتبط مشروع مجلة الآداب بالتحوّلات التي شهدها الشعر العربي في خمسينيات القرن الماضي. تستعيد رنا إدريس اهتمام سهيل إدريس بالتجديد، لا سيما كسر القوالب التقليدية الصارمة في الشعر، والبحث عن أشكال أكثر تحرّراً وقدرة على التعبير عن تجربة الإنسان العربي الحديث. في تلك المرحلة، كان الشعر العربي يشهد تحوّلات كبيرة مع بروز تجارب بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وأحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور وغيرهم. وقد ارتبطت هذه التحوّلات بتغيّر في فهم اللغة الشعرية، وفي العلاقة بين الشكل والتجربة، وفي إمكانات التعبير عن عالم لم تعد الأشكال الموروثة وحدها كافية لاستيعابه. لا يمكن الإشارة أو إسناد ولادة الشعر الحديث إلى مجلة واحدة، فهذه حركة واسعة ومتعددة المنابع والتجارب، لكن يمكنُ فهم دور المنابر الثقافية في إتاحة التجديد وتوسيع حضوره. فالمجلة تستطيع أن تمنحه مساحة، وأن تضع التجارب الجديدة أمام قرّاء لا يعرفونها، وأن تساهم في تحويل المغامرة الفردية إلى نقاش ثقافي عام. معركة التحرّر من الجزائر إلى أميركا اللاتينية تأسست دار الآداب العام 1956، فيما كانت الجزائر تخوض حربها ضد الاستعمار الفرنسي. وتستعيد رنا إدريس في حديثها حضور معارك التحرّر في اهتمام الدار، التي نشرت كتباً تناولت الاستعمار وسبل مقاومته، إلى جانب تجارب وشخصيات من خارج العالم العربي، من بينها أحمد بن بلة وتشي غيفارا وماو تسي تونغ، وفق ما ورد في شهادتها. كان الرهان على نقل التجارب العالمية إلى القارئ العربي، للتعلّم منها ومناقشة حدودها. فالتحرّر سؤالٌ يتصل بتجارب الشعوب في مواجهة الاستعمار، وبالبحث عن شروط الاستقلال السياسي والاجتماعي. تكشف هذه المرحلة تصوراً للثقافة ينتج المعرفة ويدفع للمشاركة في معركة الأفكار. فالكتاب، في هذا المنظور، أداة تتيح للقارئ أن يتعرّف إلى تجارب الآخرين، وأن يضع واقعه في سياق أوسع، وأن يكتشف أن ما يعيشه ليس بالضرورة قدراً معزولاً عن تحوّلات العالم. في هذا المعنى، كان الانفتاح على تجارب العالم جزءاً من بنا