برزت في الساعات الـ24 الماضية سلسلة من المواقف التي، إذا ما رُبط بعضها ببعض، يمكن أن ترسم ملامح مسار يفضي إلى خفض التصعيد بين أميركا و إيران . طرأت هذه المستجدات مع تشكّل اقتناع لدى كل الأطراف تقريباً بأن تطبيق العقوبات الثانوية في الحرب الاقتصادية التي أعلنتها الولايات المتحدة على إيران سيؤدي إلى زعزعة النظام المالي العالمي برمته. هذا ما استوجب إعادة التفكير لدى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ، التي لم تكن بعيدة عن مهمة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير الثلاثاء في طهران، ولا عن زيارة وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي للعاصمة الإيرانية، بينما كان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف يحطّ في موسكو في زيارة مفاجئة، لا بد أن يكون النزاع الشرق أوسطي في صلبها، في وقت تتحدث وسائل الإعلام الأميركية عن المساعدة التقنية التي قدمتها موسكو لطهران، وكانت عاملاً حاسماً في توجيه الصواريخ الإيرانية نحو الأهداف الأميركية. لا يمكن القفز أيضاً عما نقله موقع "أكسيوس" الإخباري الأميركي عن إبلاغ وزير الخارجية ماركو روبيو عدداً من نظرائه في الأيام الأخيرة أن الولايات المتحدة لن تكون "في الوقت الراهن" البادئة في شنّ ضربات عسكرية جديدة على إيران، لكنها ستعمد إلى الرد على أيّ ضربات إيرانية. تواكب ذلك مع قرار واشنطن بإعادة موظفين إلى بعض بعثاتها الديبلوماسية في الشرق الأوسط ، ومن بينها لبنان والسعودية والعراق وقطر والأردن والكويت و إسرائيل . إجراء ينمّ عن الشعور بتراجع احتمالات التصعيد العسكري، التي كانت سبباً في سحب هؤلاء الموظفين في الأسابيع الأخيرة. الحدث البارز الآخر هو إعلان طهران ومسقط، على أثر زيارة البوسعيدي، أن الجانبين ناقشا إنشاء "ممر ملاحي مشترك موقت" عبر مضيق هرمز ، واتفقا على تطهيره من الألغام. تلقت أسواق النفط هذا النبأ بارتياح انعكس تراجعاً في أسعار الخام الأميركي بنسبة 3 في المئة، لينخفض سعر البرميل إلى ما دون 80 دولاراً. لكن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي سارع إلى الإيضاح بأن إنجاز الاتفاق لا يعني أن إيران ستوافق على فتح المضيق أمام الملاحة، وكرر ربط المسألة بإنهاء أميركا الحرب. هنا، من الوارد أن يكون استبعاد روبيو شنّ أميركا ضربات عسكرية في الوقت الحاضر بمثابة رسالة طمأنة لإيران. وعندما يسارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التحذير من أنه "لا يمكن التوصل إلى اتفاق ديبلوماسي" مع إيران، فهذا يدل على أنه يستشعر مجدداً احتمال أن يعود ترامب إلى الديبلوماسية. تتقاطع هذه الإشارات مع ارتفاع منسوب التشكيك بقدرة الولايات المتحدة على تنفيذ العقوبات الثانوية في سياق حربها الاقتصادية على إيران، إذ بات من المسلّم به أن الضغط الاقتصادي لن يؤتي ثماره من دون إقناع الدول الأخرى بوقف تعاملاتها التجارية مع إيران. وأعلنت الصين بوضوح أنها لن تلبي المطالب الأميركية و"ستدافع عن مصالحها". ولا توجد نية لدى إدارة ترامب للذهاب نحو فرض عقوبات على الصين على خلفية النزاع مع إيران. حتى إن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أقر بالتحدي الذي يمكن أن يشكله الاصطدام مع الصين على النظام المالي العالمي. يقلل ذلك إلى حد كبير من زخم الضغط الأقصى الأميركي لدفع الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار، وفق الهدف المعلن للحرب الاقتصادية. آخر ما يريده ترامب حصول خضة أخرى في الأسواق المالية عشية الانتخابات النصفية ، فيما يسعى بقوة إلى تبديد قلق الأميركيين من ارتفاع جديد في أسعار البنزين والديزل والأسمدة الزراعية. وتكفيه الحرب التجارية المشتعل أوارها مع كندا في الوقت الحاضر، والتي بدأت انعكاساتها تقضّ مضاجع حتى الجمهوريين، لا سيما أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يبدي صلابة في مواقفه، ويرد على كل حزمة من الرسوم الأميركية بمثلها. العامل الكندي يلجم اندفاعة ترامب، ويجعله أبعد ما يكون عن التفكير في المجازفة بإغضاب الصين الآن.