صُدم الدمشقيون حين جرى تداول صور وخبر عن قيام آليات محافظة مدينتهم بنقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من موقعه عند جدار القلعة بجانب بوابة سوق الحميدية، إلى بانوراما حرب تشرين في أوتوستراد العدوي! القرار الذي اتخذه المعنيون لم يُنشر ولم يُناقش قبل التنفيذ، الأمر الذي فسره البعض بأنه محاولة تسلل بعيداً من الأضواء، وجعل الأمر واقعاً بعد حدوثه! وأعلنت المحافظة بأن نقل التمثال من مكانه جاء بهدف إخضاعه لعمليات ترميم وصيانة شاملة نتيجة تصدعات أصابته، على أن يُعاد وضعه لاحقاً في مكان مناسب ينسجم مع قيمته. وبحسب بيان محافظة دمشق المنشور في 10 تشرين الأول الجاري، فإن نقل التمثال يأتي ضمن مشروع إعادة تأهيل محيط القلعة، استناداً إلى تقرير فني صادر عن دائرة آثار دمشق، وبالتعاون مع منظمة "هاند"، تمهيداً للصيانة والترميم ودراسة موقع مناسب لإعادة عرضه. نال هذا التمثال مكانة بارزة بين المعالم التذكارية في دمشق، منذ العام 1993 حين أُزيح الستار عنه في الذكرى الثمانمئة لرحيل صلاح الدين، الذي توفي في المدينة العام 1193 ودُفن قرب الجامع الأموي. وقد صمّم العمل النحتي الفنان السوري الراحل عبد الله السيد (1941–2022)، الذي ترأس قسم النحت في كلية الفنون الجميلة بدمشق، ونفذه بالتعاون مع فريق من النحاتين باستخدام معدن البرونز. ويصور التمثال مشهداً من معركة حطين العام 1187، التي انتصر فيها المسلمون على الصليبيين. ويظهر صلاح الدين ممتطياً جواده، محاطاً بجنديين، فيما يقف خلفه أسيران صليبيان في هيئة توحي بالانكسار: الملك غي دي لوزينيان والأمير أرناط. ومع مرور الوقت، ألف الدمشقيون والسوريون عموماً وجود النصب في هذا المكان، رغم أن كتلته لطالما اعترضت مسار العابرين على رصيف ضيق في منطقة مزدحمة، لكنه صار إحدى العلامات البصرية المميزة لدمشق، حتى إن صورته ظهرت على ورقة المئتي ليرة سورية. ردود الأفعال المعترضة على نقله من مكانه الأصلي، لم تأخذ بجدية مبررات محافظة مدينة دمشق، وذلك بسبب نظرة سلبية تجاه علاقة السلطة الجديدة بالنصب والتماثيل، إذ استعاد متابعون فوراً حادثة تدمير نصب الشهداء، في ساحة سعد الله الجابري منتصف العام 2025 في حلب، أثناء عملية نقله، بطريقة بدائية أثارت استنكار الأوساط المدنية، التي اعتبرت الفعل استهتاراً ينم عن رغبة غير معلنة لطمس الرموز الجامعة. وبينما رأى البعض أن هذا السلوك يأتي من مرجعية دينية ترفض وجود "الأصنام" في الحياة العامة، تذكر آخرون أن تمثال الضابط الوطني عدنان المالكي تلقى وابلاً من الرصاص في الأيام الأولى من التحرير، في حادثة عزاها متابعون إلى التباس في تحديد الشخصية صاحبة التمثال لدى بعض المقاتلين، إذ ظنوه واحداً من تماثيل حافظ الأسد، التي خضعت في الأيام الأولى للتحرير إلى عملية تحطيم واسعة في أنحاء البلاد، عبّر من خلالها السوريون عن كراهيتهم للرمزية التي فرضها الاستبداد الأسدي على حياتهم طيلة عقود سابقة. الصور التي خرجت إبان إسقاط نظام الأسد، أظهرت مواطنين يحاولون إسقاط التماثيل، ما ذكّر بالأيام الأولى للثورة السورية حين جرى إسقاط تماثيل الأسد الأب في مدينتي درعا والرستن وغيرها. غير أن السياق الذي مضت فيه حركة الاحتجاج في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السابق، أفضى إلى حالات استهداف للتماثيل، لا علاقة لها بكراهية السوريين لرمزية السيطرة الأسدية عبر المنحوتات. ففي العام 2013 تعرضت منحوتة تمثل الشاعر والفيلسوف أبي العلاء المعري في معرة النعمان، لهجوم من عناصر متطرفة، انتهى بقطع رأسه. وفي العام 2015 هُدم تمثال قائد ثورة الشمال ضد الاستعمار الفرنسي، إبراهيم هنانو، في مدينة إدلب، عقب سيطرة الفصائل عليها. كما استُهدف تمثال الشاعر محمد الفراتي، أحد أبرز شعراء دير الزور، بمعاول عناصر مسلحة، مما أدى إلى تدميره! وفي مدينة عفرين بعد سيطرة الفصائل المسلحة عليها، دمّر مقاتلون تمثال كاوا الحداد الذي يحتل قيمة رمزية كبيرة في الإرث الثقافي الكردي. وبعض أبرز عمليات التدمير الممنهج الذي تعرضت له المنحوتات والتماثيل الأثرية، جاء مع سيطرة تنظيم الدولة الإسلامي/داعش على مدن سورية وعراقية، حيث مارس تدميراً ممنهجاً للآثار والتماثيل انطلاقاً من أيديولوجيا دينية متطرفة صنّفت كثيراً من الشواهد الحضارية أصناماً ورموزاً وثنية. ففي مدينة تدمر الأثرية، فجّر التنظيم معبدي بعل شمين وبل، وحطّم تمثال أسد اللات، كما دمّر آثاراً أخرى تعود إلى حضارات تعاقبت على المدينة. غير أن دوافع الاعتداء على التماثيل لم تنطلق دائماً من عقائد دينية أو أيديولوجية، إذ تقدم حادثة سرقة تمثال القديس بولس الرسول من أمام كنيسة ودير مار بولس في باب كيسان بدمشق القديمة، نهاية العام 2025، مثالاً على أسباب مادية/جُرمية. فالتمثال البرونزي، الذي نحته الفنان الإيطالي بيير إندريه جيلميني