في ظل المواجهة الأميركية–الإيرانية، واستمرار الهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية، وتعثر المساعي الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد، تتزايد المؤشرات إلى احتمال اندلاع حرب أوسع نطاقاً قد تنتهي بإضعاف إيران عسكرياً، من دون أن تضمن بالضرورة تحقيق الاستقرار في المنطقة. فهل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تؤسس لنظام إقليمي جديد، أم أن الشرق الأوسط يحتاج إلى تسوية سياسية تعيد تنظيم علاقات القوة، وتضع قواعد واضحة للتعايش بين دوله، وتحول دون تجدد الصراعات؟ تستحق العودة، في هذا السياق، إلى مؤتمر فيينا الذي انعقد عامي 1814 و1815، عندما واجهت الدول الأوروبية المنتصرة على نابليون بونابرت معضلة مشابهة، تمثلت في كيفية منع فرنسا من تهديد جيرانها مجدداً، من دون أن يؤدي إضعافها بصورة دائمة أو استبعادها من الترتيبات الأوروبية إلى اختلال توازن القوى وظهور تهديدات جديدة للسلم في القارة. منطق فيينا: التخلي عن التوسع مقابل الاندماج كانت أوروبا قد خرجت من أكثر من عقدين من الحروب المتواصلة، ولم تكن هزيمة نابليون كافية لتبديد المخاوف المتبادلة بين الدول المنتصرة أو لضمان استقرار القارة على المدى الطويل؛ فالنمسا كانت تخشى التوسع الروسي والطموحات البروسية داخل المجال الألماني، في حين كانت بريطانيا تخشى ظهور قوة قارية مهيمنة تستطيع الإخلال بالتوازن الأوروبي وتهديد مصالحها البحرية والتجارية. وفي خضم هذه الحسابات، برزت معضلة مستقبل فرنسا، إذ إن إضعافها بصورة دائمة أو إبقاءها خارج منظومة التفاهمات الأوروبية كان من شأنه أن يغذي مشاعر الانتقام لديها، ويدفعها إلى السعي لاستعادة نفوذها، فضلاً عن أنه كان سيفتح المجال أمام روسيا وبروسيا لتوسيع نفوذهما على حساب بقية القوى الأوروبية، بما قد يؤدي إلى استبدال هيمنة فرنسية سابقة باختلال جديد في ميزان القوى. هنا برز دور وزير الخارجية النمساوي كليمنس فون مترنيخ ونظيره البريطاني اللورد كاسلريه، اللذين أدركا أن استقرار أوروبا لا يمكن أن يتحقق من خلال استبعاد فرنسا أو فرض العزلة الدائمة عليها، بل من خلال إعادة إدماجها في النظام الأوروبي، شرط تخليها عن المشروع التوسعي الذي ارتبط بعهد نابليون، وقبولها بقواعد سياسية ودبلوماسية تقوم على احترام التوازن بين القوى الكبرى والحد من فرص انفراد أي دولة بالهيمنة على القارة. وفي كانون الثاني 1815، دخلت فرنسا، ممثلة بوزير خارجيتها شارل موريس دو تاليران، في تحالف سري مع بريطانيا والنمسا لمواجهة الطموحات الروسية والبروسية المتعلقة ببولندا وساكسونيا، في تطور عكس انتقالها من موقع الدولة المهزومة التي يُراد احتواؤها إلى موقع الشريك الذي يمكن الاستعانة به للحفاظ على التوازن الأوروبي. واكتمل مسار إعادة إدماجها عام 1818، عندما عادت إلى منظومة التشاور بين القوى الأوروبية الكبرى في مؤتمر إيكس لا شابيل. وهكذا تبلور ما عُرف لاحقاً بـ"الوفاق الأوروبي"، الذي استند إلى توازن القوى والتشاور الدبلوماسي والحد من الهيمنة، وأسهم في تجنب حرب أوروبية عامة بين القوى الكبرى لعقود طويلة، وإن لم يمنع جميع الحروب والصراعات التي شهدتها القارة خلال تلك المرحلة. في الشرق الأوسط اليوم، تبرز فرضية أن تؤدي حرب أميركية–إسرائيلية واسعة النطاق إلى إضعاف إيران بصورة حاسمة، بما يتيح إعادة تشكيل النظام الإقليمي وفتح المجال أمام ترتيبات أمنية وسياسية جديدة. غير أن هذا الاحتمال يثير تساؤلات جدية حول طبيعة النظام الذي قد ينشأ بعد الحرب، ولا سيما إذا سعت إسرائيل إلى توظيف تفوقها العسكري، مستفيدة من الدعم الأميركي، لفرض نفسها في موقع القوة المهيمنة على المنطقة. لكن هذه الفرضية تصطدم بتعارض مصالح القوى الإقليمية الرئيسية، إذ لا يبدو أن المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا، على الرغم من اختلاف حساباتها الاستراتيجية وتباين أولوياتها, تجد مصلحة في استبدال النفوذ الإيراني بهيمنة إسرائيلية قد تحد من استقلال قرارها الإقليمي وتعيد رسم موازين القوة على نحو لا يخدم مصالحها. كما أن هذه الدول تمتلك من عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية والجغرافية ما يؤهلها للعب دور أساسي في صياغة أي ترتيبات جديدة، بدلاً من الاكتفاء بالتكيف مع نظام إقليمي تحدد قواعده قوة واحدة. وفي هذا الإطار، قد يشكل الاتفاق السعودي–التركي- الباكستاني ، إلى جانب التنسيق مع مصر ،نواة لتوازن إقليمي جديد يستطيع التعاون مع الولايات المتحدة في الملفات الأمنية والاستراتيجية، من دون التسليم بالهيمنة الايرانية او بقيادة إسرائيلية للمنطقة وتحويل تفوق تل ابيب العسكري إلى احتكار للقرار السياسي والأمني في المنطقة. وهنا يتجدد درس فيينا، الذي يقوم على أن الاستقرار لا ينتج من انتصار قوة واحدة أو إخضاع بقية الأطراف لإرادتها، بل من إقامة توازن يمنع الهيمنة، ويتيح للدول ال