مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول، تتجه الأنظار إلى ما بعد صناديق الاقتراع أكثر من يوم التصويت نفسه، في ظل سباق محتدم بين بنيامين نتنياهو وخصومه، واحتمال ألا يتمكن أي معسكر من بلوغ عتبة الـ61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة. وفي هذه المعادلة، تبرز الأحزاب العربية كعامل قد يكون حاسمًا في تحديد هوية الائتلاف المقبل، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي أن تمثيلها قد يمنحها قدرة على ترجيح كفة أحد المعسكرين أو عرقلة تشكيل حكومة بزعامة نتنياهو. وبحسب آخر استطلاع أجرته قناة "كان 11"، يحصل حزب "يشار" بزعامة غادي آيزنكوت على 22 مقعدًا، مقابل 20 مقعدًا لحزب "الليكود"، و12 لحزب "معًا" بقيادة نفتالي بينيت، فيما تحصل القائمة المشتركة على 8 مقاعد، والقائمة العربية الموحدة على 5، ما يمنح القائمتين العربيتين معًا 13 مقعدًا من أصل 120. ويرى المحلل السياسي المختص بالشأن الفلسطيني حمادة فراعنة أن نتنياهو يسعى في هذه المرحلة إلى الابتعاد قدر الإمكان عن الأحزاب الأكثر تشددًا، بما يتيح له توسيع خياراته السياسية بعد الانتخابات وتجنب تكرار تجربة الحكومة التي اعتمدت بشكل أساسي على أحزاب اليمين المتشدد خلال السنوات الأربع الماضية. وبحسب فراعنة، يحاول نتنياهو الإبقاء على احتمال تشكيل حكومة وحدة وطنية مع قوى مثل آيزنكوت أو يائير لابيد، رغم أن الطرفين يعارضان استمراره في الحكم ويسعيان إلى إسقاطه، فيما تبقى هذه الحسابات رهينة النتائج النهائية للانتخابات. وفي المقابل، تمتلك الأحزاب العربية أكثر من خيار، إذ يمكنها دعم أحد المعسكرات من الخارج أو الدخول في ترتيبات ائتلافية، وفق الشروط السياسية والنتائج التي ستفرزها الانتخابات. ويستند فراعنة إلى تجارب سابقة، منها توفير القائمة المشتركة غطاءً برلمانيًا لحكومة إسحق رابين بين عامي 1992 و1996، وكذلك مشاركة القائمة العربية الموحدة في حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد بين عامي 2021 و2022. ويرى أن تعذر تشكيل حكومة من دون دعم عربي قد يدفع بعض الأحزاب الإسرائيلية إلى إعادة النظر في مواقفها المعلنة والبحث عن تفاهمات مع القائمتين العربيتين، ولا سيما القائمة الموحدة برئاسة منصور عباس، الذي يعلن استعداده للتحالف مع أي طرف يقدم مكاسب سياسية ومعيشية ومطلبية للفلسطينيين. ولا يقتصر تأثير الأحزاب العربية على عدد المقاعد، بل يمتد إلى قدرتها على فرض شروط تتعلق بالميزانيات والخدمات ومكافحة الجريمة والتمييز، غير أن تباين مواقف القائمتين العربيتين بشأن المشاركة في الحكومة قد يحدّ من فرص تبني موقف موحد. من جهته، يرى المحلل السياسي بلال العضايلة أن الأحزاب العربية تستطيع عرقلة مساعي نتنياهو لتشكيل الحكومة، إذا حافظت على تمثيل مؤثر واستثمرت نتائج الانتخابات للتفاوض على مطالب المجتمع العربي. وأشار العضايلة إلى أن تحركات آيزنكوت باتجاه رؤساء السلطات المحلية العربية والبدوية تعكس محاولة لفتح قنوات مباشرة مع الناخبين، خصوصًا في ملفات الأمن الشخصي، ومكافحة الجريمة، والخدمات، والميزانيات. لكن هذه التحركات، بحسبه، لا تعني أن الأصوات العربية ستتجه تلقائيًا إلى آيزنكوت، ولا تضمن تفاهمًا مسبقًا مع الأحزاب العربية، إذ يبقى العامل الحاسم هو مدى استعداد أي حكومة مستقبلية لتقديم التزامات عملية قابلة للتنفيذ. وبذلك، قد تتحول الأصوات العربية في الانتخابات المقبلة من كتلة تمثيلية إلى بيضة قبان فعلية، في حال أخفقت المعسكرات الإسرائيلية في حسم الأغلبية، ما يجعل مرحلة ما بعد الانتخابات مفتوحة على تفاهمات غير تقليدية وتحالفات قد تعيد رسم المشهد السياسي.