بدأت الحملة أمس عبر قناة “MTV”، واستُكملت اليوم بالمضمون نفسه في صحيفة “نداء الوطن”: اتهامات بالفساد والتزوير وسرقة المال العام وقطع غيار غير مطابقة، وأحكام جاهزة بحق شركة “ميدل إيست باور” ورئيس مجلس إدارتها كريم خياط، وصولاً إلى اتهام نواب ومسؤولين بحماية الفساد. لكن الحملة أغفلت حقيقة جوهرية: هذا الملف لم يكن مخفياً، ولم يُقفل سياسياً، ولم يبق في إطار الأخذ والرد الإعلامي. الوقائع نفسها كانت موضوع إخبار رسمي تقدمت به مؤسسة كهرباء لبنان أمام النيابة العامة التمييزية، وخضعت لتحقيق قضائي امتد أشهراً وشمل جلسات متعددة وتدقيقاً في المستندات والأدلة. وتولى النائب العام التمييزي السابق القاضي جمال الحجار التحقيق في الإخبار، فاستمع إلى رئيس مجلس إدارة “MEP” كريم خياط، والمدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك، ومدير الشركة يحيى مولود، وطلب مستندات وتقارير مرتبطة بأعمال التشغيل والصيانة وقطع الغيار والأعطال المسجلة في معملي الذوق والجية. وبعد أشهر من التحقيق، خلص الحجار إلى عدم ثبوت ما يبرر تحريك الدعوى العامة، فقرر حفظ الإخبار وإقفال الملف. وهذا القرار ليس حكماً نهائياً يمنع إعادة فتح القضية إذا ظهرت أدلة جديدة، لكنه يبقى النتيجة القضائية الرسمية الوحيدة الصادرة حتى اليوم. كان يفترض بأي معالجة صحافية مهنية أن تبدأ من هذه الحقيقة، وأن تقول إن الاتهامات عُرضت أمام القضاء وخضعت للتحقيق ثم حُفظت. أما تجاهل النتيجة القضائية وإعادة نشر مضمون الإخبار بوصفه إدانة ثابتة، فيعني عملياً تنصيب ميشال المر نفسه مدعياً عاماً وقاضياً فوق القضاء. وإذا كانت “MTV” أو “نداء الوطن” تملكان مستندات جديدة لم تُعرض أمام الحجار، فالمسار واضح: نشرها كاملة وتقديمها إلى النيابة العامة. أما تدوير الادعاءات نفسها التي جرى التحقيق فيها، وإضافة أوصاف من نوع “عصابة فساد” و”سرقة” و”غش”، فلا يصنع ملفاً جديداً ولا يحوّل الشبهة إلى حقيقة. وفي قضية قطع الغيار، أوحت الحملة بأن دفتر الشروط يلزم “MEP” بشرائها حصراً من شركة “MAN”، وأن أي شراء من جهة أخرى يشكل مخالفة. إلا أن دفتر الشروط يسمح للشركة بالشراء من الموردين والشركات الذين تعتمدهم “MAN”، وهذا ما قامت به “MEP”. وعليه، لا يشكل شراء قطع مطابقة لمواصفات “OEM” من مورد معتمد كسراً للعقد. كما أن انخفاض سعر القطعة مقارنة بالسعر المباشر لدى الشركة المصنّعة لا يثبت وجود غش أو إثراء غير مشروع. وإذا كان هناك ادعاء بعكس ذلك، فعلى مطلقيه تحديد القطع غير المطابقة، وأسماء الموردين غير المعتمدين، ونشر شهادات المنشأ ونتائج الفحوص الفنية. أما عطل جهاز “Turbocharger” في المجموعة الثالثة في معمل الجية، فقد وقع عام 2021 وخضع لتحقيق فني. وبحسب تقرير شركة كهرباء فرنسا “EDF”، عاد السبب إلى رداءة نوعية الفيول المستخدم، لا إلى أعمال الصيانة، وقد وافق مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان على مضمون التقرير. وفي ما يتعلق بتضرر عمود المرفق “Crankshaft” في المجموعة التاسعة في معمل الذوق، لا يزال التحقيق الفني في أسبابه قائماً. وتشير المعطيات الأولية إلى احتمال تعرضه لإجهاد مرتفع، لكن تحديد المسؤولية يحتاج إلى تحليل هندسي ومعدني نهائي، لا إلى استنتاج إعلامي يربط العطل بالصيانة قبل صدور التقرير. كذلك، فإن نقل جهاز “التوربو” من مجموعة متوقفة إلى مجموعة أخرى لإعادتها إلى الخدمة لا يعني تلقائياً خسارة مجموعة بقيمة 19 مليون يورو. فإذا كانت المجموعة المانحة متوقفة أساساً بسبب عطل مستقل، يصبح استخدام قطعة صالحة منها إجراءً تشغيلياً يهدف إلى إعادة مجموعة أخرى إلى الإنتاج، لا سبباً في تعطيل الأولى. وفي ملف الصيانة، اختُزل دفتر الشروط بمهلة 30 ألف ساعة، فيما ترتبط الصيانة الشاملة، بحسب وضع المجموعات ومتطلبات التشغيل، بمدة تراوح بين 30 ألفاً و40 ألف ساعة. كما أن استمرار المجموعة في العمل آلاف الساعات الإضافية من دون أعطال قد يحقق وفراً للدولة، شرط أن يتم ضمن المعايير الفنية والتقارير المعتمدة. وفوق ذلك، وضعت “MEP” كفالات مالية تغطي كلفة الأعطال التي يثبت أنها نتجت من مسؤوليتها. وهذه الكفالات لا تعفي الشركة من المحاسبة، لكنها تسقط محاولة تصوير الدولة كأنها ستتحمل تلقائياً كل خسارة محتملة من دون أي حماية تعاقدية. أما الأخطر في الحملة، فهو أنها تأتي في وقت تطالب فيه مؤسسات الدولة والجهات المعنية بإعادة تشغيل معملي الذوق والجية، نظراً إلى قدرتهما على توفير ما يقارب 3 ساعات إضافية من التغذية الكهربائية يومياً. وفي ظل أزمة الطاقة وارتفاع أسعار المحروقات، يجد اللبناني نفسه مذبوحاً أمام فاتورة المولد في نهاية كل شهر. وبالتالي، فإن تعطيل إعادة تشغيل المعملين لا يعاقب “MEP” أو كريم خياط، بل يعاقب المواطنين ويمنع عنهم ساعات تغذية رسمية تخفف جزءاً من كلفة المولدا