يرسم الطموح الإسرائيلي للتحول إلى واحدة من القوى البحرية الكبرى في العالم صورة أكثر تعقيدًا مما توحي به الخطط العسكرية الجديدة، إذ يكشف تحليل تركي أن إسرائيل، رغم تطوير أسطولها البحري، لا تزال شديدة الاعتماد على البحر ومقيدة بجغرافيا ضيقة وبنية تحتية وصناعية لا تواكب حتى الآن سقف الطموحات التي أعلنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليؤون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن إعلان نتنياهو في مطلع تشرين الأول 2026 سعي إسرائيل إلى التحول إلى واحدة من أبرز القوى البحرية في العالم يمثل تغييرًا استراتيجيًا لدولة بنت قوتها تاريخيًا على التفوق الجوي والبري. إلا أن تحليلًا للخبير التركي جيم غوردنيز، نشره موقع "12punto"، يقدم قراءة أكثر تحفظًا للفجوة الكبيرة بين الطموحات الأمنية الإسرائيلية وبين الواقع الجغرافي والاقتصادي والصناعي. ووفق التحليل، تعتمد إسرائيل على البحر بصورة شبه كاملة، إذ يمر نحو 99% من تجارتها الخارجية، من حيث الحجم، عبر الطرق البحرية، فيما يعتمد قطاع الكهرباء إلى حد كبير على حقول الغاز الطبيعي البحرية، وفي مقدمتها تمار وليفياثان وكاريش. ورغم ذلك، كشف تصاعد تهديد الحوثيين في البحر الأحمر والضغط الإيراني في مضيق هرمز عن نقاط ضعف بنيوية في قدرة إسرائيل على حماية مصالحها بعيدًا من سواحلها. ويقدم ميناء إيلات مثالًا بارزًا على هذا الهشاشة، إذ تراجع عدد السفن التي وصلت إليه من نحو 134 سفينة عام 2023 إلى 16 فقط عام 2024. وأدى ذلك إلى خسارة الميناء نحو 80% من إيراداته، من دون إطلاق رصاصة واحدة باتجاهه، بل بفعل الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين ومستويات المخاطر المرتبطة بالملاحة. وعسكريًا، تسجل إسرائيل تقدمًا ملموسًا في بناء قدراتها البحرية، إذ تتسلم غواصات متطورة من ألمانيا، من بينها الغواصة الجديدة "أحي دراكون"، التي تبلغ إزاحتها 2600 طن. كما أدخلت سفن صواريخ متطورة من طراز "ساعر 6"، إلى جانب سفن إنزال جديدة من الولايات المتحدة، بينها "أحي نحشون" و"أحي كومميوت"، فيما تعمل الصناعات الدفاعية الإسرائيلية على تطوير مركبات بحرية غير مأهولة متقدمة لمهمات الاستخبارات والقتال. لكن غوردنيز يشدد على أن إسرائيل تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لكي تصبح "دولة بحرية" بالمعنى الكامل. فالساحل الإسرائيلي لا يتجاوز 204 كيلومترات، بينها 190 كيلومترًا على البحر المتوسط و14 كيلومترًا على البحر الأحمر. وتتجاوز المشكلة طول الساحل إلى قدرات أحواض بناء وإصلاح السفن، إذ لا تستطيع أحواض السفن الإسرائيلية التعامل مع سفن تجارية ضخمة. وفي حال تعرض ناقلة بوزن 30 ألف طن لأضرار، لا يتوافر في إسرائيل حوض قادر على استقبالها وإصلاحها. وبالتالي، تبقى إسرائيل معتمدة بشكل كامل على أحواض بناء السفن الأجنبية في ألمانيا والولايات المتحدة لإنشاء أجزاء أساسية من قوتها البحرية. ويلفت التحليل أيضًا إلى غياب خفر سواحل مدني مستقل، ما يؤدي إلى استخدام القوة العسكرية في مهمات شرطية بحرية، وهو واقع أدى في السابق إلى حوادث ذات طابع دولي، من بينها قضية سفينة "مافي مرمرة". كذلك لا يوفر الأسطول التجاري المحلي شبكة أمان استراتيجية، إذ إن معظم سفن شركة "ZIM" مستأجرة من مالكين أجانب وليست مملوكة للدولة. وفي محاولة لتعويض غياب العمق الاستراتيجي البحري، تتجه إسرائيل إلى تعزيز تحالفاتها مع اليونان وقبرص، بالتوازي مع توسيع علاقات الطاقة مع مصر، التي تشكل قناة رئيسية لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا. وفي المحصلة، يرى التحليل أن إسرائيل تنجح بالفعل في بناء قوة بحرية إقليمية متطورة تكنولوجيًا وذات قدرات قتالية عالية، إلا أن الطريق نحو التحول إلى قوة بحرية عالمية، كما يطمح نتنياهو، يصطدم بقيود جغرافية لا يمكن تغييرها، وبفجوة واضحة بين تطور السلاح البحري وبين البنية التحتية المدنية والصناعية القادرة على إسناده.