اطّلعت الشبكة العربية لاستقلال القضاء على قانون العفو العام الصادر في لبنان في تاريخ 4 أيلول 2026، والذي تمّ وقف تنفيذه من قبل المجلس الدستوريّ. كما اطّلعت على الاعتراضات المقدّمة بشأنه من عضويْ الشبكة نادي قضاة لبنان والمفكّرة القانونية، يهمّ الشبكة، تعليقًا على هذا القانون وما أحاط به من نقاش، إبداء المواقف الآتية: 1. في ضرورة تبرير العفو العامّ باعتبارات الصالح العام مع مراعاة مبدأ التناسب يشكّل العفو العامّ بطبيعته استثناءً عن مبدأ المساواة أمام القانون، بحيث أنّه يؤدّي إلى إسقاط العقوبات عن مواطنين من جرّاء جرائم ارتكبوها في زمن محدّد على نحو يميّزهم عن سائر المواطنين الذين ارتكبوا نفس الجرائم في زمن آخر. ومن هذا المنطلق، فإن أيّ عفو أو تسامح اجتماعي قد يقرّه القانون يفترض أن يستند إلى مصلحة عامّة واضحة وأن يكون مرتبطًا ومبرّرًا بها، وأن يكون مُتناسبًا معها، بحيث تكون هناك صلة مفهومة ومتناسبة بين الغاية التي يراد تحقيقها والجرائم التي يشملها العفو. أما إقرار عفو عام شبه شامل من دون تبيان مبرّراته أو الرابط بين هذه المبررات والجرائم المشمولة به، فإنّ من شأن ذلك أن يفقده مشروعيّته وأن يجعله عامل إضعاف لدولة القانون ونظام العدالة ومدخلًا لسواد العشوائيّة. ومن هنا تُعرب الشبكة عن عميق قلقها، إزاء الصياغة المعتمدة للأسباب الموجبة والتي تركزت على وضع السجون والخلل في المرفق القضائي تبعا للأزمة المالية لتعميم “المظلومية” بصورة مغلوطة وغير صحيحة، ومن دون أيّ تبريرٍ لمنح العفو العامّ عن الجرائم المشمولة به، وضمنًا بعض جرائم الفساد بالغة الخطورة. كما تعرب عن قلقها إزاء اعتماد القانون مبدئيّة العفو العامّ أيّ اشتماله جميع الجرائم بما فيها الجنايات ما عدا ما يستثنيه صراحةً، طالما أنّ توجّهًا كهذا يؤدّي إلى قلب القاعدة القائمة على أنّ المحاسبة هي المبدأ والعفو هو الاستثناء ويتيح إمكانية إعفاء جرائم بعضها خطيرة جدّا بمجرد عدم ذكرها أو السهو عنها وإذًا من دون أي تبرير. 2. في ضرورة صياغة قانون العفو العام بدقّة عملًا ب “مبدأ شرعيّة العقوبات” إنّ أيّ عفوٍ عامّ كما أيّ استثناء عليه يخضع لمبدأ شرعيّة العقوبات الذي يشكّل الضمانة الأساسيّة لأيّ نظام يقوم على قوة القانون في مواجهة العشوائية؛ وهو مكرّس في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي مجمل الدساتير العربية. ومن المسلّم به أن هذا المبدأ يفرض ليس فقط أن يتمّ منح العفو العام بنصوص قانونية ولكن أيضا أن تكون هذه النصوص واضحة ودقيقة. ومن هنا تعرب الشبكة عن عميق قلقها، إزاء الصياغة الملتبسة والمبهمة للاستثناءات على العفو، والتي عبّر عنها أعضاؤها فضلا عن النائب العام التمييزي أحمد رامي الحاج الذي ذهب إلى حدّ القول أنّ “بعض بنود هذا القانون هي بنود مشفّرة تحتاج إلى منجّم (…) لفكّ طلاسم تشفيرها”. 3. في كون العفو الذاتيّ عن جرائم الفساد استغلالًا للسّلطة يفقد الأفراد حقّهم بالتمتّع بالحماية القانونية إنّ تسخير أيّ سلطة من سلطات الدّولة لصلاحيّاتها من أجل إعفاء أعيانها والمقرّبين منها من المسؤوليّة عن الجرائم المُرتكبة بحقّ المجتمع، ينمّ بحدّ ذاته عن تحوير للسّلطة من أجل تحقيق مصالح خاصّة وفئويّة. ومن شأن ذلك أن يفقد المواطنين حقوقهم بالحماية القانونية والمواطنة، طالما أنه يؤدّي إلى تمكين السلطة الحاكمة من التنصّل من مسؤوليّاتها القانونية تجاههم، وضمنًا مسؤوليّاتها في ضمان تمتعهم بحقوقهم وحرياتهم، وإلى سواد نظام الإفلات من العقاب. ومن هنا، تعرب الشّبكة عن عميق قلقها حيال شمول العفو العام معظم جرائم الفساد في القطاع العام والإثراء غير المشروع من دون إلزام الجهات المرتكبة بردّ الأموال المنهوبة، كما تعبّر عن قلق موازٍ حيال إسقاط معظم الملاحقات والعقوبات التأديبيّة بحقّ الموظّفين، وكل ذلك من دون أي مبرّر أو تناسب بين خطورة هذه الجرائم والغاية المنشودة من العفو. وما يجعل العفو عن هذه الجرائم أكثر فداحة، هو أثرها الكارثي على لبنان وشعبه. وليس أدلّ على ذلك من البيان الصادر عن المقرر الأممي الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، أوليفييه دي شوتر في تاريخ 11/5/2022 الذي وصف بدقّة التفقير الذي تعرض له الشعب اللبناني من جراء جرائم الفساد في القطاع العام ودعا إلى إنهاء حالة الإفلات من العقاب. 4. في ضرورة تأطير العفو العامّ ضمن رؤية مستقبلية لئن يتناول قانون العفو الجرائم الحاصلة في الماضي، فإنّ آثاره تنعكس على المستقبل أيضًا، سواء بما يمحوه من مسؤوليّات أو بما يستثنيه من المحو. وعليه، فإنّ أيّ معالجة لجرائم الماضي في بلدٍ تعرّض لانتهاكاتٍ واسعة يجب أن تتمّ بصورةٍ لا تتعارض مع الأهداف المنشودة مستقبلًا وعلى ضوء الثوابت الضّامنة لأيّ انتقالٍ ديمقراطيّ، وأبرزها ضمان الإنصاف للضحايا والمتضررين واسترداد