لطالما استيقظنا لسنوات على نبرات استنكار عالية الجودة من معراب، تُحذّر اللبنانيين من خطيئة اسمها "إسناد الآخرين"، وتتخذ من الشعار السيادي المطلق ذريعة لتجريم أي حراك تضامني إقليمي، تحت عنوان "النأي بالنفس" وحماية الاستقرار الداخلي من التورط في أتون صراعات المنطقة. كانت المعادلة المعلنة في قاموس "الحكيم" واضحة وحاسمة: حصر وجهة النظر اللبنانية في ضيق الحدود المحلية، واعتبار كل كلمة أو موقف يُطلق خارج هذا السياق "مغامرة عبثية" تلحق الضرر بلبنان وتفرّط بسيادته. لكن يبدو أن معايير السيادة والحرص اللبناني خاضعة حصرياً لموسمية المزاج السياسي والحزبي في معراب. فبين عشية وضحاها، وسقوطاً عند امتحان الأحداث الأخيرة التي تعرضت لها المملكة العربية السعودية ومرافقها، تراجعت فجأة كل شعارات النأي بالنفس والتحذير من توريط البلاد. وتحولت "حرمة الحدود" و"خطورة الانغماس في شؤون الخارج" إلى وجهات نظر قابلة للتعديل متى ما اقتضت الحاجة الاستعراضية، ليخرج سمير جعجع داعياً بكل رهافة إلى "مساندة ومؤازرة كاملة" للرياض و"كلٌ بوضعه وإمكانياته"، ومطالباً الجميع بالوقوف إلى جانبها. وهنا يقف المتابع عاجزاً أمام هذا السحر المنطقي الفريد: كيف تتحول "المساندة" من وجهة نظر جعجع نفسه إلى جريمة بحق لبنان إن كانت تجاه عواصم وقضايا إقليمية أخرى، بينما تصبح التزاماً سياسياً حتمياً ومطلوباً فور تعلق الأمر بالرياض؟ أليس هذا استخفافاً تاماً بعقول اللبنانيين وبمبدأ الثبات السياسي؟ لقد دأب جعجع على استخدام لغة ترفع شعارات حماية الاستقرار حيناً لضرب خصومه ومعارضيه، ليعود اليوم ويطالب بأن يتحول الموقف اللبناني إلى منصة لتأييد المملكة وعاصمتها عندما تقتضي حساباته الحزبية ذلك. إن هذه الازدواجية الفاقعة في المعايير تكشف بوضوح أن من نصب نفسه طويلاً حارساً أوحد للحياد المزعوم، لا يرى في هذا الحياد سوى قميص سياسي يُلبَس ويُخلع بحسب اسم العاصمة المستهدفة واتجاه الريح المعرابية. وحين يُصبح الخطاب مجرد صدىً لتناقضات شخصية تتبدل فيها المبادئ بين ليلة وضحاها، يسقط كل ادعاء بالثبات، ويبقى المشهد رهينةً لمن يفصّل مقاسات السيادة اللبنانية على حسب الحسابات الضيقة. فإلى أين يمكن أن تصل هذه الاستعراضات السياسية في تفصيل مقاسات الوطن على حسب المزاج الجعجعي-الانتقائي؟ وهل تستطيع قيادة معراب الاستمرار في بيع شعارات الحياد متى شاءت، لتشتري بها المواقف متى أرادت، أم أن الشارع اللبناني بات يدرك تماماً أن السيادة هناك ليست سوى أداة استعراضية عابرة؟ الأيام وحدها كفيلة باختبار مآلات هذا التناقض المفتوح على كل الاحتمالات.