لم تبدأ الأسئلة الأمنية على طريق زحلة – ضهر البيدر مع ضبط شحنة المتفجرات الأخيرة. ففي 31 آذار الماضي، كشف “ليبانون ديبايت” عن عملية منظمة استهدفت كاميرات المراقبة الممتدة على هذا المحور الحيوي، من شتورة وصولاً إلى جلالا والمريجات، وحوّلته إلى طريق شبه مكشوف أمنياً. يومها، أقدم ملثمون يستقلون دراجات نارية على إطلاق النار على 16 كاميرا حديثة تابعة لبلدية شتورة وتحطيمها، فيما طاول التخريب 6 كاميرات في جلالا تستخدمها مخابرات الجيش، و6 أخرى في المريجات تستخدمها شعبة المعلومات. ولم يكن الاستهداف عشوائياً، بل نُفذ على مراحل وبأسلوب متكرر، ما أوحى بأن الهدف يتجاوز التخريب إلى تعطيل منظومة الرصد على الطريق. اليوم، وبعد ضبط سيارة محملة بالمتفجرات على طريق ضهر البيدر، تعود القضية إلى الواجهة بقوة. فالكاميرات المحطمة في شتورة ومحيط مفرق جديتا كان يمكن أن تشكل عنصراً حاسماً في تتبع مسار السيارة، وتحديد نقطة انطلاقها وتوقيت مرورها، وكشف ما إذا كانت ترافقها سيارات أخرى أو جهات تتولى مراقبة الطريق وتأمين عملية النقل. ولا يعني تزامن الملفين وجود رابط مثبت بينهما، إلا أن استمرار الغموض حول هوية الذين استهدفوا الكاميرات يفرض على الأجهزة الأمنية إعادة فتح التحقيق من بدايته. فمن حطمها؟ ولماذا اختيرت هذه النقاط تحديداً؟ وهل كان الهدف إيجاد ممر خالٍ من الرصد أمام عمليات تهريب أو نقل أسلحة ومتفجرات؟ وتزداد خطورة المسألة لأن هذه الكاميرات أثبتت سابقاً فاعليتها في التحقيقات الأمنية. وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، شكّلت التسجيلات المأخوذة من كاميرات المنطقة أداة أساسية في تتبع مسار عملية خطف النقيب المتقاعد في الأمن العام أحمد شكر، وساعدت الأجهزة على إعادة بناء حركة المنفذين وكشف خيوط مرتبطة بكيفية تنفيذ العملية. وكانت التحقيقات القضائية قد أثبتت لاحقاً تورط شبكة مرتبطة بالموساد الإسرائيلي في خطفه ونقله إلى إسرائيل. إذا كانت الكاميرات قد أسهمت في كشف خيوط واحدة من أكثر عمليات الخطف تعقيداً، فإن تعطيلها لاحقاً لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد اعتداء على ممتلكات بلدية أو أجهزة تقنية. فالمستهدف عملياً هو ذاكرة الطريق الأمنية، وكل ما يمكن أن تسجله عن حركة السيارات والأشخاص والشحنات المشبوهة. وبعد مرور أكثر من 6 أشهر، لم يُعلن عن توقيف الفاعلين أو كشف دوافعهم، على الرغم من أن نمط التنفيذ وعدد الكاميرات المستهدفة ومسار تحرك المعتدين يفترض أن يترك خيوطاً يمكن ملاحقتها. أما تسجيل القضية ضد مجهول وإبقاؤها من دون نتيجة، فلم يعودا مقبولين بعد ظهور شحنة المتفجرات. المطلوب اليوم ليس بناء اتهامات على الاستنتاجات، بل تحقيق جدي يربط التسجيلات المتوافرة وشهادات الأهالي وحركة الدراجات والاتصالات بمسار السيارة المضبوطة. وعلى الأجهزة الأمنية أن تثبت جديتها بكشف من أعمى هذا الطريق، ومن استفاد من تعطيل كاميراته، وما إذا كانت هناك عمليات أخرى عبرته بعيداً عن أعين الدولة.