تضع الهجمات الحوثية المتصاعدة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أمام اختبار أمني واقتصادي، بعدما طالت المطارات والمنشآت النفطية، وهدّدت خططه لتنويع اقتصاد المملكة، في وقت تتزايد تكاليف الحرب وينخفض مخزون الصواريخ الاعتراضية. وبحسب تقرير للصحافيين سمر سعيد وجورجي كانتشيف في صحيفة "وول ستريت جورنال"، بدأت السعودية العام من موقع قوة، بعد زيارة محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض واستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب له بحفاوة. وحتى بعد اندلاع الحرب مع إيران، استطاعت المملكة تصدير النفط عبر خط أنابيب يتجاوز مضيق هرمز المغلق، مستفيدة من ارتفاع الأسعار. لكن المواجهة مع الحوثيين المدعومين من إيران بدّلت المشهد. فقد أصاب صاروخ حوثي واحد على الأقل مطار الملك خالد الدولي في الرياض السبت، ما أسفر عن مقتل 12 شخصاً على الأقل وإصابة مئات، كثير منهم بجروح خطرة. ووصفت الصحيفة الهجوم بأنه الأكثر دموية على الولايات المتحدة أو حلفائها الخليجيين في المواجهات المرتبطة بالحرب مع إيران. وقال مسؤولون اطّلعوا على تفاصيل الهجوم إن مضيفة طيران مصرية تبلغ 28 عاماً توفيت نزفاً بعدما بُترت ذراعها بفعل الانفجار، وكانت بين ضحايا عدة فقدوا أطرافاً. وأفاد أشخاص مطّلعون على الأضرار بأن صالتين أُصيبتا وانهارت أجزاء من سقفيهما. وأظهر فيديو تحققت منه مؤسسة "ستوري فول" مسافرين يجرّون حقائبهم بمحاذاة آثار دماء خلال إخلاء المطار. وأعلنت السلطات الأحد وقوع هجمات إضافية على المطار المغلق، بينها سقوط مقذوف تسبب بحريق في الصالة 4 وإصابات. وكان مسؤولون سعوديون قد أكدوا للصحافيين خلال الصيف أن الوضع المتعلق بالحوثيين تحت السيطرة. إلا أن الجماعة كثّفت هجماتها، التي تقول إنها ردّ على الإجراءات السعودية ضدها، مستهدفة المطارات ومصافي النفط وخط الأنابيب الرئيسي الممتد من شرق المملكة إلى غربها. وتعرّض مطار الملك خالد للاستهداف 4 مرات على الأقل، فيما جدّد متحدث عسكري حوثي الأحد التحذير من أن المطارات السعودية أهداف للجماعة. وقال مسؤولون سعوديون إن مخزون الصواريخ الاعتراضية اللازمة لصدّ الهجمات بدأ ينخفض. وامتدت التداعيات إلى الحياة اليومية في الرياض، التي تبعد 500 ميل أو أكثر عن مناطق الحوثيين في اليمن. فقد أصابت شظايا صاروخ باليستي جرى اعتراضه الخميس روضة أطفال ومجمّع عيادات طبية، وطُلب من موظفين في الحي المالي وطلاب في بعض المدارس الدولية ودبلوماسيين الإخلاء أو الاحتماء. وبحسب مسؤولين مطّلعين على تحركات ولي العهد، يتنقل محمد بن سلمان، البالغ 41 عاماً، بين قصور مشددة الحراسة ومزوّدة بملاجئ محصّنة، ويحميه فريق أمني اختير بعناية. وكان آخر ظهور علني له الثلاثاء، حين تبرّع بالدم دعماً لحملة وطنية. وقال كريستيان كوتس أولريكسن، الخبير في شؤون الخليج والباحث في معهد بيكر بجامعة رايس، إن الخيارات المتاحة أمام القيادة السعودية محدودة، محذّراً من أن "أي ردّ عسكري ينطوي على خطر الانجرار بشكل أعمق إلى صراع غير متكافئ، أظهر فيه الحوثيون قدرتهم على إلحاق أضرار كبيرة ورمزية". ولم يردّ المسؤولون الإعلاميون السعوديون على طلب الصحيفة التعليق. اقتصادياً، تهدّد المواجهة مساعي المملكة لتحويل السياحة والسفر إلى ركيزة للنمو، وتثير شكوكاً متزايدة بشأن انعقاد مؤتمر دولي بارز للاستثمار مقرر في نهاية الشهر. كما وسّعت تكاليف الحرب عجز الموازنة، فيما تتوقع وزارة المالية السعودية انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.6% في 2026. وتراجعت الاستثمارات الأجنبية خلال الربعين الأول والثاني، وبقيت بعيدة عن المستهدف لعام 2030. وبحسب "كابيتال إيكونوميكس"، تقلّص حجم الاقتصاد غير النفطي في الربع الثاني مقارنة بالربع الأول. وتضغط نفقات الدفاع والبنية التحتية على الأموال المخصصة لتنويع الاقتصاد، بينما تواجه خطط تحويل السعودية إلى مركز للذكاء الاصطناعي مخاطر إضافية مع بروز مراكز البيانات كأهداف للهجمات. وخلال العقد الماضي، ضخّ ولي العهد أموالاً في مشاريع ضخمة ومعقّدة هندسياً، بينها "نيوم"، ومبنى على شكل مكعّب في الرياض، ومنتجع للتزلج في الصحراء. وبلغت تكلفتها الإجمالية تريليونات الدولارات، مقابل موازنة حكومية سنوية تقارب 350 مليار دولار. وترى الصحيفة أن أضرار الحرب وتكاليفها تجعل تمويل هذه الالتزامات أكثر تعذراً. وتوقفت مشاريع عدة أو أُخضعت للمراجعة. وفي كانون الثاني، تخلّت السعودية عن خطط استضافة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029، فيما لا يزال عليها تأمين تمويل "إكسبو 2030" وكأس العالم لكرة القدم في 2034. وكان الحوثيون قد أعلنوا في تموز حصاراً بحرياً على السعودية، مهدّدين الملاحة في البحر الأحمر. ثم استهدف هجوم في أيلول خط الأنابيب الممتد من الشرق إلى الغرب، الذي يشكّل المسار الرئيسي لتصدير النفط بعيداً ع