ثمة ما يستحق التوقف عنده في التحركات الطلابية التي تشهدها فرنسا. فالشباب الذين خرجوا للاحتجاج على أوضاع مدارسهم لم يكتفوا برفع الشعارات وترديد المطالب، بل ابتكروا أساليبهم الخاصة في التعبير عن الغضب. أمام صفوف الشرطة ودروعها، اختار بعضهم الرقص والغناء والعزف، فيما لجأ آخرون إلى السخرية من المسؤولين. وفي مشاهد كهذه، يصعب النظر إلى ما يجري باعتباره مجرد احتجاج على نقص المعلمين أو سوء الأبنية المدرسية. نحن أمام حراك يطرح، إلى جانب مطالبه المباشرة، أسئلة عن العنف وحدود السلطة، وعن حق الشباب في أن يكون لهم صوت في القرارات التي تمس مستقبلهم. ومن أطرف ما يتناقله المحتجون شعارات تسخر من التناقض بين حياة المسؤولين وما يعيشه الطلاب. ومن بينها عبارة "لديك معلمة لغة فرنسية، أما نحن فلا"، في إشارة إلى بريجيت ماكرون، زوجة الرئيس، التي عملت معلمة. وفي هذه العبارة، على بساطتها، شيء من المفارقة التي يريد الشباب إبرازها، وهي أن يكون رئيس الجمهورية قريباً من عالم التعليم لا يعني أن المدرسة العامة تحصل على ما تحتاج إليه، أو أن المعلمين والطلاب يعيشون ظروفاً جيدة. وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على انتشار هذه الشعارات والمشاهد خارج حدود المظاهرات. فمقطع مصور لا تتجاوز مدته ثواني قد يستقطب اهتماماً أكبر من بيان نقابي مطول، وصورة ساخرة قد تختصر ما تعجز عنه صفحات من الشرح. ودخل الذكاء الاصطناعي بدوره على الخط، من خلال صور ومقاطع مركبة تعيد تخيل المواجهات وتضفي عليها طابعاً ساخراً أو ملحمياً. لكن هذا الانتشار السريع يفرض أيضاً الانتباه إلى الفرق بين الصور الحقيقية والمحتوى المصطنع. وشارك مغنو الراب في هذا المناخ بمقاطع تنتقد الحكومة وسلوك الشرطة، مستفيدين من لغة قريبة من الشباب ومن إيقاع يسهل تداوله وترديده. سياسياً، نزل نواب حزب "فرنسا الأبية" إلى الشارع للتعبير عن تضامنهم مع الطلاب، وارتدى بعضهم الوشاح الفرنسي ثلاثي الألوان، وهذا الوشاح ليس مجرد قطعة قماش بألوان العلم الفرنسي، إنه رمز للصفة الرسمية التي يحملها المسؤول المنتخب. وظهوره وسط المواجهات يذكّر بأن النواب ليسوا متفرجين على ما يجري، وأن من حقهم مراقبة تعامل أجهزة الدولة مع المحتجين. ولا يتعلق الأمر بحزب فرنسا الأبية وحده، وإن كان حضوره بارزاً. فقد وجدت النقابات اليسارية في هذه التحركات فرصة للانضمام إلى الطلاب ومساندتهم، ومحاولة حمايتهم من المواجهات مع الشرطة. ويرى جزء من اليسار في الحراك دليلاً على أن الشارع لا يزال قادراً على التأثير في القرارات السياسية والاجتماعية، بعد سنوات شعر خلالها كثيرون بأن الخيارات الاقتصادية الكبرى تُفرض من أعلى، فيما يُطلب من المواطنين تحمل نتائجها. ومن بين الشخصيات التي لفتت الانتباه عمدة مدينة سان دوني، بالي باكايوكو، المنتمي إلى فرنسا الأبية. فقد ظهر في مشاهد متداولة وهو يتدخل في محيط الاحتجاجات، في محاولة للوقوف إلى جانب الطلاب. وأثارت الصور التي انتشرت له مع المحتجين تفاعلاً على وسائل التواصل الاجتماعي. ومثل هذا الحضور الميداني يحمل دلالة تتجاوز التضامن الرمزي، لأنه يضع المسؤول المنتخب أمام مسؤولية التعامل المباشر مع ما يجري، بدلاً من الاكتفاء بتصريحات تصدر من المكاتب. لكن المشاهد الأكثر إثارة للقلق تتعلق بعنف الشرطة. فقد تجاوز عدد الموقوفين 6800 شخص حتى التاسع من هذا الشهر، وفق الأرقام المتداولة، وكان القاصرون يمثلون نسبة كبيرة منهم. كما سُجلت إصابات خطيرة، بينها فقدان مراهق يده إثر انفجار قنبلة صوتية، فيما فُتحت تحقيقات بشأن تجاوزات محتملة في استخدام القوة. لا يعني ذلك أن الشرطة لا تملك حق التدخل عند وقوع اعتداءات أو أعمال تخريب. لكن ثمة فرقاً بين فرض النظام واستخدام وسائل قد تترك شاباً في الخامسة عشرة من عمره بعاهة دائمة. ومن حق الرأي العام أن يعرف كيف وقعت هذه الإصابات، وما إذا كانت القوة المستخدمة متناسبة مع الظروف، ومن يتحمل المسؤولية عند ثبوت التجاوزات. فلا يمكن مطالبة الطلاب باحترام القانون، ثم التعامل مع إصاباتهم وكأنها تفصيل عابر. أما المطالب التي أخرجت الشباب إلى الشارع، فهي أوسع بكثير من توفير عدد إضافي من المعلمين. هناك نقص في الكوادر، وصفوف مكتظة، ومبانٍ تحتاج إلى ترميم، وظروف عمل صعبة للمدرسين، فضلاً عن مطالب تتعلق بالمنح والمساعدات الاجتماعية. ويضاف إلى ذلك تفاوت واضح بين المؤسسات والمناطق، يجعل المدرسة العامة عاجزة أحياناً عن توفير الظروف نفسها لجميع الطلاب. وتعيد هذه المطالب فتح نقاش قديم في فرنسا حول مكانة التعليم العام في السياسات الاقتصادية. فالدولة تمول أيضاً المدارس الخاصة المتعاقدة معها، وفق قواعد محددة، بينما تواجه مدارس عامة كثيرة صعوبات في تلبية احتياجاتها. والمشكلة ليست في وجود التعليم الخاص بحد ذاته، بل في أن تصبح جو