ثمّة لحظاتٌ في التاريخ لا تعود فيها الجغرافيا مجرّد حدود، بل تتحوّل إلى امتحانٍ للقِيَم، ولا تبقى الحرب مواجهةً بين جيشَيْن، بل تصبح سؤالًا عن معنى النِّظام الدَّوليّ، وحدود القوّة، وحقّ الشُّعوب في تقرير مصيرها، ومقدار استعداد الدِّيموقراطيّات للدِّفاع عن المبادئ التي قامت عليها. من هنا، لم تكن زيارة المستشار الألمانيّ فريدريش ميرتس إلى كييف، في 4 تشرين الأوّل الجاري، غداة الاحتفال بالذِّكرى السادسة والثلاثين للوحدة الألمانيّة، تفصيلًا في روزنامة الدِّبلوماسيّة الأوروبيّة، بل حملت رمزيّةً تتجاوز العلاقات الألمانيّة – الأوكرانيّة لتلامس سؤال أوروبا عن ذاتها. أيُّ قارّة تريد أن تكون عندما يُعاد اختبار الحدود بالقوّة، وتُستعاد لغة مناطق النُّفوذ، ويُصبح السَّلام، إذا أُسيء تعريفه، اسمًا آخر لقبول الأمر الواقع؟ ألمانيا تعرف، أكثر من دولٍ أوروبيّة كثيرة، معنى الانقسام ومعنى الوحدة، كما تعرف معنى أن تتحوّل الجغرافيا إلى رهينةٍ لموازين القوّة. لذلك بدا الانتقال من الاحتفال بالوحدة الألمانيّة إلى كييف كأنّه انتقالٌ من الذَّاكرة إلى المسؤوليّة. وقد استعاد ميرتس نفسه في كييف خطاب الرَّئيس الألمانيّ في احتفالات الوحدة، رابطًا صراحةً بين حماية نظام الحرّيّة والسَّلام في أوروبا وبين ما يحدث في أوكرانيا، ومؤكِّدًا أنّ السَّلام يجب أن يكون نتيجة تفاوض، لكن لا يجوز أن يُملى على أوكرانيا ولا على أوروبا. هذه هي المسألة في جوهرها. الحرب الرُّوسيّة – الأوكرانيّة نتيجة الاعتداء الرّوسي على سيادة أوكرانيا، لم تعُد بعد أكثر من أربع سنوات، قابلةً للاختزال في نزاعٍ حدوديّ، ولا في سرديّة مواجهةٍ بين موسكو والغرب، ولا حتّى في سجالٍ حول توسّع حلف شمال الأطلسيّ. هناك دولةٌ ذات سيادة تعرّضت أراضيها لاجتياحٍ عسكريّ، وهناك ملايين البشر الذين دفعوا، وما زالوا يدفعون، أثمان الحرب من أمنهم وحياتهم واستقرارهم ومستقبلهم. في المقابل، ثمّة أوروبا تكتشف أنّ النِّظام الذي تصوّرت أنّه استقرّ بعد الحرب الباردة لم يكن محصّنًا بالقدر الذي اعتقدته، وأنّ القانون الدَّوليّ، حين لا تحميه إرادةٌ سياسيّة، يمكن أن يتحوّل إلى مجموعة مبادئ أخلاقيّة جميلة لا تمنع دبّابةً من اجتياز الحدود. لهذا كانت رسالة ميرتس في كييف أبعد من إعلان دعمٍ ماليّ أو عسكريّ جديد. المستشار الألمانيّ أعلن أنّ بلاده ستواصل الوقوف إلى جانب أوكرانيا، لأنّ المسألة تتعلّق، في نظر برلين، بمستقبل الأمن الأوروبيّ نفسه، فيما اقترنت الزيارة بحزمة دعمٍ إضافيّة تجاوزت 1.3 مليار يورو، وباتفاقات تعاون دفاعيّ واقتصاديّ واسعة. اللافت أنّ صفّارات الإنذار والضَّربات الرُّوسيّة استمرّت خلال وجوده في العاصمة الأوكرانيّة، بما حوّل المشهد نفسه إلى رسالةٍ سياسيّة. الحرب ليست مفهومًا نظريًّا تناقشه العواصم الأوروبيّة، بل واقعٌ يضرب المدن والبنى التحتيّة والطاقة وحياة النَّاس يوميًّا. غير أنّ التحدّي الأوروبيّ لا يكمن فقط في القدرة على دعم أوكرانيا، بل في القدرة على تحديد أيّ سلامٍ تريده أوروبا. هنا يبدأ الخلاف الحقيقيّ، لأنّ السَّلام ليس مجرّد توقّفٍ لإطلاق النار، كما أنّ إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة معالجة أسبابها. قد تصمت المدافع فيما يبقى الظُّلم قائمًا، وقد يتوقّف القتال لأنّ الأقوى فرض شروطه على الأضعف، وقد تتحوّل التَّسوية إلى استراحةٍ بين حربَيْن إذا أنتجت اقتناعًا بأنّ تغيير الحدود بالقوّة يمكن أن يُكافأ باعترافٍ سياسيّ لاحق. من هنا، فإنّ شعار "لا مهادنة أو مقايضة" لا يعني رفض التفاوض، بل العكس تمامًا. إنّه يعني حماية التفاوض من أن يتحوّل إلى أداةٍ لتشريع نتائج القوّة. التفاوض ضرورة، والدِّبلوماسيّة واجب، والتسوية تصبح في لحظةٍ ما جزءًا من أيّ خروجٍ واقعيّ من الحرب، لكنّ التفاوض الذي يبدأ من مطالبة الضحيّة بالتنازل عن حقّها كي يرضى المعتدي ليس سلامًا مستدامًا؛ إنّه نقلٌ للحرب من الميدان إلى نصّ الاتّفاق. هكذا تحديدًا تكتسب التحوّلات البريطانيّة دلالةً تتجاوز المملكة المتّحدة. رئيس الوزراء البريطانيّ آندي برنهام فتح، في نهاية أيلول 2026، باب البحث في مجموعة خياراتٍ لمستقبل العلاقة مع الاتّحاد الأوروبيّ، بما فيها إمكان الذهاب إلى حدّ العودة إلى الاتّحاد، من دون أن يعني ذلك أنّ قرارًا بالعودة قد اتُّخذ أو أنّ المسار بات قريبًا. لكنّ مجرّد عودة المسألة إلى قلب النقاش السياسيّ البريطانيّ، بعد عقدٍ من استفتاء "بريكست"، يكشف تبدّلًا أعمق في البيئة الاستراتيجيّة الأوروبيّة. لقد خرجت بريطانيا من الاتّحاد وهي تعتقد أنّ السيادة يمكن أن تُمارَس بكفاءةٍ أكبر خارجه، لكنّ الحرب في أوكرانيا، والتحوّلات في الأمن الأطلسيّ، والتنافس الاقتصاديّ العالميّ، وصعود القوى الكبرى، أعادت طرح سؤالٍ مختلف. ما قيمة السيادة إذا أصبحت القدرة على