يثير إطلاق القوات الحكومية اليمنية عملية "فجر اليمن" تساؤلات إقليمية حول جاهزيتها العسكرية لشن هجوم بري شامل ضد الحوثيين عبر مختلف المحاور، في وقت تتصاعد فيه المعارك بضراوة في تعز والساحل الغربي بمنطقة باب المندب، وتليها مأرب والجوف، وسط مواجهات متقطعة أو هدوء حذر بجهات أخرى. وينقسم المراقبون العسكريون إلى اتجاهين؛ إذ يرى فريق أن الهجوم المتزامن عبر كافة الجبهات كفيل بإرباك الحوثيين وإضعاف صمودهم، بينما يعتقد فريق آخر أن التركيز على محاور محددة يأتي ضمن خطة مدروسة لحسم مواقع مفصلية قبل توسيع الهجوم. وفي المقابل، تعتمد الاستراتيجية الميدانية للحوثيين، خلال التصعيد الحالي والسنوات الماضية، على تركيز الهجمات البرية في جبهة واحدة والدفع بأنساق بشرية متتالية لتحقيق اختراقات ميدانية تفاوتت بين النجاح والفشل، عبر خطوط تماس تمتد بمحافظات مأرب والجوف والبيضاء وشبوة وأبين والضالع وإب ولحج وتعز وحجة وصعدة. وهي السياسة التي نجحوا في تطبيقها ببعض المواقع وفشلوا في أخرى. وتتوزع خطوط التماس الفاصلة بين الطرفين على امتداد مناطق واسعة في محافظات مأرب والجوف والبيضاء وشبوة وأبين والضالع وإب ولحج وتعز وحجة وصعدة. وفي إطار المساعي الميدانية، كَثّفت القوات الحكومية وتحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة من هجماتهما عبر الطيران الحربي والمُسيّر والقصف الصاروخي المكثف، مستهدفة مختلف محاور القتال والجبهات سواء المشتعلة منها أو الهادئة. وبحسب القوات الحكومية، تتجاوز هذه العمليات خطوط التماس لتستهدف أهدافاً عسكرية مشروعة وعالية القيمة في عمق مناطق سيطرة الحوثيين، وفي مقدمتها العاصمة صنعاء؛ حيث تؤكد الحكومة أن أصل العملية يهدف إلى الوصول إلى العاصمة الواقعة تحت سيطرة الجماعة منذ أيلول/ سبتمبر 2014. وتؤكد القوات الحكومية أن هذا الجهد النيراني المكثف يرافقه تحقيق اختراقات برية لمواقع الحوثيين ودفاعاتهم وتحصيناتهم، إلى جانب استعادة مواقع وهيئات حاكمة ذات أهمية عملياتية وتثبيت المكاسب الميدانية على الأرض. وتهدف هذه التحركات الميدانية إلى مواصلة تطوير الهجوم وفق الخطط العملياتية المعتمدة، مما يعزز الفرضيات والترجيحات بشأن وجود تحضيرات حكومية جارية لشن هجوم بري واسع. ويعزو خبراء فرص نجاح القوات الحكومية في تحقيق هذه الاختراقات إلى حجم الدعم والغطاء الجوي المباشر؛ إذ أعلن التحالف منذ اليوم الأول لعملية "فجر اليمن" عن مشاركة 100 طائرة مقاتلة في إدارة وتنفيذ العمليات الجوية. التحديات الداخلية والخارجية وتدرك الحكومة اليمنية تماماً حجم التحديات والتعقيدات التي تكتنف معركتها المصيرية ضد الحوثيين؛ وفي هذا الصدد أقر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، قبل أيام بأن العمليات العسكرية بطبيعتها قد تشهد تقدماً ميدانياً في جبهة وتواجه تعقيدات وصعوبات مؤقتة في جبهة أخرى، مؤكداً في الوقت ذاته أن القوات الحكومية ورغم الصعوبات لن تتراجع عن هدفها الاستراتيجي المتمثل في استعادة الدولة ومؤسساتها واستكمال تحرير كامل التراب اليمني. وتأتي التضاريس الجغرافية الوعرة والمناطق الجبلية في العديد من محاور القتال في مقدمة التحديات الميدانية، خاصة وأن ثبات خطوط التماس لسنوات طويلة عزز من فرضية تمكن الحوثيين من بناء تحصينات دفاعية قوية في خطوطهم الأمامية والخلفية. كما يشكل عامل الانسجام بين مختلف التشكيلات العسكرية التابعة للحكومة، وقدرتها على إدارة المعركة عبر غرفة عمليات موحدة، عاملاً حاسماً وفارقاً في نجاح هذه المواجهة المصيرية. ويربط المتابعون للشأن اليمني إقدام الحكومة على خوض هجوم بري شامل بمستوى واستمرارية الدعم الإقليمي والدولي، لا سيما في ظل تواصل الهجمات الحوثية المستهدفة للأراضي السعودية والسفن التجارية؛ إذ يُعد مضيق باب المندب أحد المحاور الرئيسية للصراع، وسط اتهامات حكومية للحوثيين بتمثيل أجندة إيرانية واستنسار تجربة السيطرة على مضيق هرمز. استبعاد التغيير الإستراتيجي وفي قراءة عسكرية للمشهد، أكد الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والإستراتيجية الدكتور علي الذهب، في تصريحات خاصة لـِ "المدن"، أن القدرة الذاتية للقوات الحكومية على شن هجوم بري واسع النطاق قائمة وموجودة، لكنه استبعد قدرتها على إحداث تغيير إستراتيجي جذري يغير خريطة النفوذ على نحو يهدد بسقوط جماعة الحوثي. وأرجع الذهب تقييمه إلى أسباب جوهرية متعددة، في مقدمتها أن "هذه القوات لا تجمعها إرادة واحدة ولا هدف واحد"، لافتاً إلى أن "بعض هذه القوات لا تزال تحمل رايات تعبّر عن أجندات خاصة تتعارض مع الأجندة الوطنية، فضلاً عن تغول نفوذ بعض الولاءات ما دون الوطنية داخل صفوفها دون أن يجري دمجها دمجاً حقيقياً على الإطلاق". كما نوه الذهب إلى وجود غموض حول مصير القادة الحوثيين