ليس صحيحاً أن أحداً لا ينتصر في اليمن، أو أنه مجرد "مقبرة للغزاة". فقد انتصر فيه كثيرون، وسقطت أنظمة وقامت أخرى، وتبدلت خرائط السيطرة مراراً. لكن معظم تلك الانتصارات لم تُنهِ الحروب، بل فتحت الطريق إلى حروب جديدة أو تسويات مؤقتة سرعان ما انهارت. لذلك، ربما يكون السؤال الأجدر بالطرح ليس لماذا يعجز الجميع عن الانتصار في اليمن، بل لماذا يعجز المنتصرون عن تحويل انتصاراتهم إلى استقرار؟ من العثمانيين والبريطانيين إلى جمال عبد الناصر والملك فيصل، وصولاً إلى علي عبد الله صالح ومحمد بن سلمان، تتكرر معادلة لافتة: يدخل الخارج اليمن مستعيناً بطرف يمني، ويستعين الطرف اليمني بالخارج في صراعه الداخلي. يعتقد كل منهما أنه يستخدم الآخر لتحقيق أهدافه، قبل أن يكتشف أنه غير قادر على التحكم بالنتائج كما تصور. فالعثمانيون حكموا أجزاء واسعة من اليمن، والبريطانيون احتفظوا بعدن أكثر من قرن، والمصريون ساعدوا في تثبيت الجمهورية، والسعوديون ظلوا قوة مؤثرة في السياسة اليمنية، فيما اكتسبت إيران خلال العقد الأخير نفوذاً استراتيجياً غير مسبوق في تاريخ علاقاتها باليمن. المشكلة أن الخارج قد يربح معركة أو أكثر في اليمن، لكنه نادراً ما يستطيع أن يربح اليمن نفسه. عرف العثمانيون هذه المعضلة باكراً. فقد سيطروا على المدن والطرق الرئيسية، لكن إخضاع المناطق الجبلية والقبائل والإمامة الزيدية ظل مهمة شاقة، إلى أن انتهت المواجهات بتسوية عام 1911 مع الإمام يحيى، منحته هامشاً واسعاً من السلطة المحلية. أما البريطانيون، الذين احتلوا عدن عام 1839، فكان هدفهم حماية الطريق البحري إلى الهند، ثم تعاظمت أهميتها مع افتتاح قناة السويس عام 1869. وهكذا نشأت ازدواجية سترافق اليمن طويلاً: قوى تسعى إلى التأثير في السلطة داخله، وأخرى إلى تأمين موقعه الاستراتيجي. لكن التجربة الأكثر دلالة بدأت عام 1962، عندما أطاح ضباط يمنيون بالإمامة وأعلنوا الجمهورية. تدخل جمال عبد الناصر دعماً للجمهوريين، فيما ساندت السعودية الملكيين، في عهد الملك سعود ثم الملك فيصل. وتحولت الحرب الأهلية إلى ساحة للصراع بين المشروع الناصري والأنظمة الملكية المحافظة. أرسل عبد الناصر عشرات آلاف الجنود، واستطاعت القوات المصرية حماية الجمهورية وتحقيق انتصارات مهمة، لكنها لم تستطع إنهاء الحرب. فقد سمحت الجغرافيا والقبائل والتحالفات المحلية للملكيين بأن يخسروا المعارك من دون أن يفقدوا القدرة على القتال. ثم جاءت هزيمة حزيران 1967 لتفرض على القاهرة إعادة ترتيب أولوياتها. وفي قمة الخرطوم اتجه عبد الناصر وفيصل إلى تفاهم فتح الطريق أمام الانسحاب المصري. خرج الجيش المصري، لكن الجمهورية بقيت. ولم يستعد الملكيون الإمامة، فيما اعترفت الرياض بالجمهورية عام 1970. لم يحصل أي من الطرفين على النتيجة التي أرادها عند دخوله الحرب، لكن التسوية السياسية أنهت تلك المرحلة من الصراع. وتكرر الدرس بعد الوحدة اليمنية عام 1990. فقد انتصر علي عبد الله صالح عسكرياً في حرب 1994 وحافظ على الوحدة بالقوة، لكنه لم يحل المسألة الجنوبية. بل ساهمت طريقة إدارة الانتصار في إنتاج مظالم وحركات احتجاجية وانفصالية جديدة. وعلى الرغم من المحافظة على وحدة الأرض، لم يتمكن من بناء وحدة سياسية يقبل بها الجميع. لم تصنع إيران الحوثيين. فقد نشأت الحركة في بيئة يمنية زيدية لها تاريخها الديني والسياسي، وخاضت بين عامي 2004 و2010 ست حروب مع نظام صالح. ثم أتاح ضعف المرحلة الانتقالية بعد انتفاضة 2011، والتحالف غير المتوقع بين الحوثيين وصالح، للحركة السيطرة على صنعاء عام 2014. بعد ذلك تعمقت العلاقة مع طهران. وجد الإيرانيون في الحوثيين قوة تستطيع التأثير في أمن السعودية والبحر الأحمر، ووجد الحوثيون في إيران مصدراً للدعم العسكري والتقني والسياسي. لكن الحركة احتفظت بحساباتها اليمنية الخاصة، ولم تتحول إلى مجرد أداة إيرانية. وفي آذار 2015 بدأت السعودية، بقيادة وزير دفاعها آنذاك محمد بن سلمان، عملية "عاصفة الحزم"، بهدف إعادة الحكومة المعترف بها دولياً ومنع الحوثيين من استكمال سيطرتهم على البلاد. نجح التدخل في وقف التوسع الحوثي، واستعادت القوى المناهضة لهم عدن وأجزاء واسعة من الجنوب، لكنه لم يستعد صنعاء ولم يُنهِ الحرب. بل تحولت العملية إلى مواجهة طويلة ومكلفة، فيما طور الحوثيون قدراتهم الصاروخية والمسيّرة وأصبحوا قادرين على تهديد العمق السعودي والملاحة في البحر الأحمر. هنا تبرز المقارنة مع عبد الناصر، من دون مساواة بين دوافع التدخلين أو ظروفهما. فلم يكن عبد الناصر يفتقر إلى القوة العسكرية، ولم تكن السعودية تفتقر إليها عام 2015. لكن كليهما واجه مأزق تحويل كسب المعارك إلى فرض نهاية سياسية للحرب. فالهجوم البري قد يغير خطوط السيطرة بين كرّ وفرّ، والقصف الجوي قد يضعف القدرات الع