المعاملات الرسمية في لبنان: لماذا لم تصبح إلكترونية؟ 12 تشرين الأول 2026 · 12:24 ص قراءة في دقيقتين حجم الخط د. وليد الشعار في الوقت الذي أصبحت فيه المعاملات الحكومية في كثير من دول العالم تُنجز عبر الكترونياً، لا يزال المواطن اللبناني مضطراً في عدد كبير من الحالات إلى التنقل بين الإدارات، وحمل المستندات الورقية، والحصول على التواقيع والأختام، وأحياناً تقديم المستند نفسه لأكثر من جهة. فقد أقر القانون رقم 81/2018 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، كما وضعت الدولة استراتيجية للتحول الرقمي. لكن المشكلة لا تكمن في غياب التكنولوجيا وحدها، بل في طريقة عمل الإدارة نفسها. فالمعاملة الحكومية في لبنان غالباً ما تقوم على سلسلة طويلة من الإجراءات: طلب، ومستندات، وتدقيق، وتوقيع، وتصديق، ثم انتقال إلى دائرة أخرى. وعندما يتم نقل هذه العملية إلى منصة إلكترونية من دون إعادة تصميمها، فإننا لا نكون أمام تحول رقمي حقيقي، بل أمام نسخة إلكترونية من البيروقراطية الورقية. إحدى أبرز المشكلات هي عدم ترابط الأنظمة الحكومية. فقد تكون المعلومة موجودة لدى مؤسسة رسمية، لكن المواطن يُطلب منه الحصول عليها وتقديمها إلى مؤسسة أخرى. في الإدارة الرقمية المتكاملة، يفترض أن تتمكن المؤسسات من تبادل البيانات المسموح بها قانونياً، بحيث لا يتحول المواطن إلى حلقة وصل بين الإدارات. كما أن التحول الرقمي يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التوقيع الإلكتروني، والدفع الإلكتروني، والأرشفة الرقمية، وحماية البيانات والأمن السيبراني. ولا يكفي إنشاء موقع إلكتروني جديد إذا كان المواطن سيضطر في النهاية إلى طباعة الطلب وحمله إلى الدائرة نفسها. المشكلة لا تنعكس على المواطن فقط. فالإجراءات الورقية تعني أيضاً تكاليف إضافية للإدارة، من طباعة وتصوير وتخزين وأرشفة وحفظ الملفات والبحث عنها. أما المواطن فيدفع الثمن من وقته وماله، عبر التنقل والانتظار والرسوم وتكرار الزيارات عند وجود أي نقص في المستندات. الحل لا يكمن في إنشاء المزيد من المنصات المنفصلة، بل في بناء منظومة حكومية رقمية مترابطة. وهذا يتطلب تبسيط الإجراءات أولاً، ثم رقمنتها من البداية إلى النهاية، مع اعتماد هوية وتوقيع إلكترونيين، وربط قواعد البيانات، وتوفير الدفع الإلكتروني والأرشفة الرقمية وحماية المعلومات. والقاعدة التي يمكن أن تختصر مفهوم الإدارة الرقمية بسيطة: إذا كانت المعلومة موجودة لدى الدولة، فلا ينبغي أن يُطلب من المواطن تقديمها مرة أخرى، متى كان تبادلها مسموحاً قانونياً. لبنان لا يحتاج فقط إلى استبدال الورقة بشاشة. المطلوب هو إعادة التفكير في المعاملة نفسها. فالتحول الرقمي الحقيقي يبدأ عندما يستطيع المواطن إنجاز معاملته من دون أن يصبح هو الوسيط بين الإدارات، ومن دون أن يضطر إلى زيارة عدة مكاتب للحصول على معلومات موجودة أصلاً لدى الدولة. عندها فقط تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة جديدة إلى وسيلة فعلية لتبسيط الإدارة، وتوفير الوقت، وخفض الكلفة، وتحسين الخدمة العامة.