منذ اندلاع الأزمة المالية والنقدية في لبنان نهاية العام 2019 وبداية 2020، لم يخلُ نقاش الحلول من طرح "مجلس النقد" (Currency Board)، الذي يسوّقه أنصاره بوصفه خياراً "سحرياً" كفيلاً بإعادة ضبط سعر الصرف واستعادة الثقة بالليرة بشكل جذري وفوري، وبالتالي حل الأزمة المالية المتفاقمة منذ سنوات. غير أن طرح مجلس النقد، الذي بقي لسنوات حبيس النقاشات الأكاديمية الضيقة وبعض الآراء والمقالات الفردية، تحوّل في الأشهر الأخيرة إلى حملة تسويقية شبه يومية، تُقدَّم فيها فكرة مجلس النقد بإلحاح لافت وكأنها الحل الوحيد القادر على انتشال لبنان من أزمته، مع تجاهل أو التعتيم على مفاعيل هذا الطرح وارتداداته وحتى الثغرات الجوهرية التي تحول دون تطبيقه، أقلّه في الوقت الحالي. مجلس النقد الذي كان خلال الأعوام الأولى للأزمة، وتحديداً في العام 2021، نقاشاً تقنياً بين متخصّصين، تحوّل اليوم إلى ما يشبه الخطاب الدعائي المكرّر، مسنوداً إلى ندوة إلكترونية عقدت في شهر تموز الفائت برعاية مصرف لبنان جمعت شخصيات محلية ودولية بارزة في السياسات النقدية والمالية، وانتهت بالتوصية بمجلس النقد كحل جذري. نظم الندوة التي شملت 3 جلسات نقاش، رجل الأعمال اللبناني راي دبانة، وهو الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمار العالمية ."Invus" غير أن بعض الإعلام اللبناني سوّق للندوة على أنها من تنظيم مصرف لبنان، في محاولة لإضفاء المصداقية المؤسساتية على طرح لم يحظَ بالتبنّي من مصرف لبنان حتى اللحظة، ولم يعطِ أي إشارة انفتاح على الطرح. قبل الدخول في جوهر الموضوع وجدوى طرح مجلس النقد من عدمه، لا بد من توضيح مرجعية الندوة التي شارك في واحدة من جلساتها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد بصفته ضيفاً. وردّاً على استفسار رسمي وجّهته "المدن" إلى المصرف المركزي، أوضح الأخير أنه لم يكن الجهة المنظِّمة للندوة، لكن منظّميها طلبوا من حاكمية مصرف لبنان رعايتها والمشاركة فيها، وهو ما تم فعلاً: رعاية رسمية من المصرف بناء على طلب المنظّمين، مقابل مشاركة الحاكم كضيف في جلسة واحدة فقط لا أكثر. ما يعني أن المصرف المركزي غير معنيّ بكل ما نُشر أو يُنشر حول مجلس النقد. هذا التمييز الدقيق بين "الرعاية بناء على طلب" و"التبنّي أو التنظيم"، رغم بساطته، غاب عمداً أو سهواً عن كثير من التغطيات والمواد الترويجية التي قدّمت الحدث كأنه نشاط أطلقه مصرف لبنان أو تبنّاه بمبادرة منه. وأكثر من ذلك يؤكد مصدر من مصرف لبنان لـِ "المدن" أن سعيد حسم موقفه بعد تلك الندوة بشكل قاطع بأن لا نقاش إطلاقاً حول مجلس النقد في المرحلة الراهنة، وهو خيار غير مطروح على طاولة المصرف المركزي. خبراء يشكّكون بجدوى مجلس النقد في المقابل، تعرض "المدن" آراء عدد من الخبراء في السياسات النقدية محلياً ودولياً، منهم الدكتور سعادة الشامي الذي أمضى عشرين عاماً في صندوق النقد الدولي متخصصاً بصنع السياسات الاقتصادية وبرامج الإصلاح المالي، ونائب حاكم مصرف لبنان الأسبق الدكتور ناصر السعيدي، والخبير القانوني المتخصّص في قضايا المصارف المركزية مهدي الحسيني، إضافة إلى خبراء فضلوا عدم ذكر أسمائهم، وآخرين شاركوا في ندوة نظّمها معهد عصام فارس للسياسات العامة في الجامعة الأميركية في بيروت. وعلى تفاوت خلفياتهم ومقارباتهم، ما بين الاقتصادية البحتة والقانونية، التقى هؤلاء على أن طرح مجلس النقد، في ظل الظروف اللبنانية الراهنة، غير مجدٍ وغير ملائم، بل قد يزيد الأزمة تعقيداً بدلاً من أن يحلّها. وبين الترويج المتسارع في الأسابيع الأخيرة لمجلس لنقد، ومآخذ الخبراء المذكورين حوله، لا بد من تفكيك الطرح من زاويتين: الأولى تقنية تتعلق بمدى توافر الشروط الاقتصادية والمؤسساتية اللازمة لنجاح أي مجلس نقد في لبنان، والثانية تتعلق بخلفيات الترويج المكثف وتوقيته وأدواته وممولّيه. ووفق أكثر من مصدر متابع للملف، يتّضح أن دبانة ربما يسعى بصدق للمساهمة بإخراج لبنان من أزمته، لكنه وفق المصادر عينها، غير مطّلع بعمق على تعقيدات الواقع اللبناني السياسي والمصرفي، وهذا ما جعل الطرح عرضة لاستغلال البعض وفرصة لتحقيق مكاسب مادية مباشرة عبر الترويج المتواصل لمجلس النقد. ولا نستبعد بالتأكيد تشكّل قناعة لدى بعض الخبراء والدفاع عن مجلس النقد من وجهة نظرهم التي تُحترم بشتى الأحوال. وبين الاختلاف في وجهات النظر والترويج المدفوع فارق كبير، وفي الحالتين لا بد من السؤال: ما هو مجلس النقد؟ وهل يشكّل فعلياً حلاً جذرياً للأزمة؟ وهل لبنان اليوم بحاجة إلى نقاش تقني عقلاني حول أدوات الإصلاح النقدي أم إلى حملة تسويقية مموّلة؟ مجلس النقد نظام نقدي صارم يربط العملة المحلية بعملة أجنبية بسعر صرف ثابت غير قابل للتغيير، مع إلزام الجهة المصدرة للعملة بتغطية الكتلة النقدية المحلية بالكامل؛ أي بنسبة 100%، باحتياطي فعلي من العملة