حتى الساعة، لم تتبلّغ الدولة اللبنانية رسمياً من الجانب الأميركي أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل وصلت إلى نهايتها، ولا أن تل أبيب قررت الانسحاب من «اتفاق الإطار» أو وقف العمل به. وبحسب مصادر رسمية لـ«المدن»، فإن كل ما يتصل بهذا المسار يُنقل عادةً إلى رئيس الجمهورية والسلطات اللبنانية المعنية عبر القنوات الأميركية الرسمية، وهو ما لم يحصل حتى الآن.الأمر نفسه ينسحب على مفاوضات روما. فلا موعد محدداً أُبلغت به بيروت لجولة جديدة، ولا رسالة أميركية رسمية تتحدث عن تعليق المسار أو تبدّل نهائي في موقف الجانب الإسرائيلي. لكن، خلف هذا الصمت الرسمي، تبدو المشكلة أعمق من مجرد تأخير في المواعيد أو تبدل في أجندة التفاوض.فـ«اتفاق الإطار»، بحسب أكثر من مصدر متابع، اصطدم منذ البداية بمعضلة أساسية: كيف يمكن تطبيق تسوية أمنية وعسكرية في الجنوب إذا كانت شروطها العملية تفترض دوراً للجيش اللبناني لا يمكن تنفيذه من دون تفاهم داخلي، وتحديداً مع حزب الله؟ تقول مصادر سياسية متابعة للمفاوضات لـ«المدن» إن الاتفاق، بصيغته الحالية، وُضع وفق مقاربة يصعب ترجمتها ميدانياً. فالمطلوب من الدولة اللبنانية، عملياً، فرض ترتيبات على الأرض من دون أن تكون هناك آلية سياسية واضحة لضمان عدم تحوّل الجيش إلى طرف في مواجهة داخلية.وهذه هي العقدة الأساسية. فأي صيغة تجعل الجيش اللبناني في موقع التصادم مع حزب الله، مباشرة أو غير مباشرة، تبقى غير واقعية في الظروف الحالية. ذلك أن المؤسسة العسكرية لا تستطيع أن تتحمل وحدها كلفة تنفيذ قرار بهذا الحجم في ظل غياب تفاهم سياسي داخلي واسع، وعدم وجود تسوية واضحة مع الحزب نفسه. ولا تقف العقبات عند حدود السياسة.مصادر عسكرية تقول لـ«المدن» إن تطبيق أي خطة فعلية في الجنوب يحتاج إلى إمكانات مالية ولوجستية كبيرة جداً: تسليح، تجهيز، دعم، انتشار، قدرات مراقبة، وتمويل مستمر. وهذه المتطلبات، بحسب ما أُبلغ المعنيون، ليست متوافرة حالياً بالحجم المطلوب، خصوصاً في ظل اتساع رقعة الحرب في المنطقة وتوزع الاهتمام الدولي على أكثر من ساحة. إلى ذلك، لا يظهر حتى الآن انخراط أوروبي واسع في التسوية اللبنانية يوازي الدور الأميركي، وهو ما يزيد صعوبة تطبيق أي خطة تقوم أساساً على دعم دولي طويل الأمد للمؤسسة العسكرية وللترتيبات الجديدة في الجنوب.بهذا المعنى، يصبح «اتفاق الإطار» أمام مشكلة تتجاوز مضمون بنوده. فالمسألة ليست فقط ما إذا كان الاتفاق جيداً أو سيئاً، بل ما إذا كان قابلاً للتنفيذ أساساً. مع ذلك، لا تتجه الأمور، حتى الآن، نحو إعلان واضح بأن الاتفاق سقط. مصادر سياسية مطلعة ترجّح أن تكون المعالجة أكثر تعقيداً وهدوءاً: لا بيان يقول إن المسار فشل، ولا عودة كاملة إلى نقطة الصفر، بل إعادة نظر في المقاربة، وربما في آليات التنفيذ نفسها، بطريقة تسمح لجميع الأطراف بالقول إن المسار مستمر ولو بصورة معدلة. أي إن التخريجة المقبلة قد تقوم على تعديل الاتفاق من الداخل من دون الاعتراف صراحةً بأنه لم ينجح بصيغته الأولى. وهنا تترقب بيروت لقاءً جديداً بين رئيس الجمهورية جوزاف عون والسفير الأميركي ميشال عيسى، يفترض أن يحمل معه توضيحات إضافية حول الموقف الإسرائيلي، وما إذا كانت واشنطن لا تزال متمسكة بالصيغة السابقة أو أنها بدأت تبحث عن مقاربة مختلفة.ويأتي ذلك فيما تبدو الخيارات الدولية محدودة. ففتح مسار جديد في مجلس الأمن، في ظل الانقسام الدولي والتوتر الإقليمي، ليس أمراً سهلاً، كما أن الذهاب إلى قرارات جديدة يحتاج إلى ظروف سياسية غير متوافرة حالياً. ولهذا، فإن الاحتمال الأكثر واقعية يبقى إعادة تدوير الاتفاق نفسه، أو إعادة تفسيره، بدلاً من دفنه بالكامل. لكن المعضلة الأكثر حساسية تبقى في مكان آخر: حزب الله.مصادر عسكرية تقول لـ«المدن» إن أي طرف يريد الوصول إلى تسوية فعلية لا يستطيع تجاهل القوة الموجودة على الأرض. وهذا يعني، عملياً، أن أي مسار جدي يحتاج في مرحلة ما إلى الحديث مع الحزب، بشكل مباشر أو غير مباشر.وهنا تكشف مصادر في حزب الله لـ«المدن» أن الحزب تلقى منذ فترة رسائل تفيد بأن الأميركيين يرغبون في فتح قناة تواصل معه للبحث في ترتيبات المرحلة المقبلة. وبحسب المصادر نفسها، لا توجد حتى الآن نية لأن يكون مثل هذا التواصل علنياً. لكن الرسائل لا تأتي حصراً عبر وسطاء خارجيين، إذ توجد قنوات داخلية تستخدم أيضاً لنقل المواقف واستكشاف إمكان فتح مسار حوار.وتضيف المصادر أن الحزب لا يزال يدرس الفكرة، لأن أي نقاش من هذا النوع لا يتصل بتفصيل أمني محدود، بل بمسائل يعتبرها مرتبطة بجوهر موقعه السياسي والعسكري ومبادئه.وهذا تحديداً ما يجعل الحوار، إذا حصل، مختلفاً عن أي تفاوض تقني. فهو سيطرح أسئلة تتصل بالسلاح، والضمانات، والدور، والعلاقة مع الدولة، وما الذي يمكن أن يحصل مقابل أي تغيير في قواعد المر