يتجه الاتحاد الأوروبي إلى إنشاء مهمة مدنية عسكرية جديدة في لبنان، تهدف إلى تقديم المشورة والتدريب والدعم للجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، في خطوة تأتي مع تصاعد النقاش بشأن مستقبل الوجود الدولي في جنوب البلاد، واقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل». ومن المقرر أن يبحث وزراء خارجية الاتحاد المبادرة في 12 تشرين الأول/أكتوبر، وسط تساؤلات بشأن طبيعة المهمة وحدود صلاحياتها، ومدى قدرتها على أداء دور أمني في مرحلة ما بعد القوات الأممية. وتأتي المبادرة في ظل غياب موقف أميركي واضح بشأن الترتيبات الأمنية البديلة، واستمرار المشاورات بشأن آلية لمراقبة تنفيذ التفاهمات بين لبنان وإسرائيل. وبينما تؤكد بروكسل أن المهمة الأوروبية المقترحة لن تكون بديلًا عن «اليونيفيل» ولن تنتشر في جنوب لبنان، يرى مراقبون أنها قد تمثل محاولة أوروبية للحفاظ على حضور سياسي وأمني في لبنان، بالتزامن مع تراجع اليقين بشأن مستقبل القوة الدولية. مهمة أوروبية جديدة.. ودعم للجيش اللبناني أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، خلال زيارتها بيروت، التوصل إلى تفاهم مع لبنان بشأن إنشاء قوة أوروبية جديدة، موضحة أن المهمة المقترحة لن تكون مرتبطة مباشرة بالوضع في جنوب البلاد، ولن تحل محل «اليونيفيل». ومن المتوقع أن تتخذ القوة طابعًا مدنيًا عسكريًا، مع التركيز على تقديم الدعم الاستشاري والتدريب ورفع قدرات الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية. وتشير المعطيات المتداولة إلى احتمال مشاركة عناصر من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، على أن تصل المهمة إلى لبنان في نهاية عام 2026. وأكدت كالاس دعم دول الاتحاد الأوروبي تمديد ولاية «اليونيفيل»، محذرة من مخاطر حدوث فراغ أمني في الجنوب. وشددت على ضرورة بسط الدولة اللبنانية سيطرتها على كامل أراضيها، بما يشمل نزع سلاح حزب الله، وفق الموقف الأوروبي المعلن. لكن إعلان إنشاء المهمة الجديدة يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي ستؤديه إذا لم تنتشر في الجنوب، حيث تتركز التحديات الأمنية المرتبطة بالوجود العسكري الإسرائيلي، وترتيبات وقف الأعمال العدائية، ومهمة الجيش اللبناني في بسط سلطته وحصر السلاح. التفاف على الرفض الأميركي أم محاولة للحفاظ على النفوذ الأوروبي؟ يرى خبراء أن المبادرة الأوروبية قد تكون محاولة للحفاظ على حضور أوروبي في لبنان، في ظل ما يصفونه برفض أميركي وإسرائيلي لاستمرار «اليونيفيل» بصيغتها الحالية. ويعتقد هؤلاء أن المهمة الجديدة قد تركز على تدريب الجيش اللبناني وتأهيله، بما يساعده على تنفيذ مهامه في المناطق التي يُطلب منه الانتشار فيها، واستكمال الإجراءات المتعلقة بحصر السلاح. وبحسب هذه القراءة، لن تكون القوة الأوروبية المقترحة بديلًا عملياتيًا مباشرًا عن القوات الأممية، بل ستؤدي دورًا استشاريًا وتدريبيًا، في محاولة لتعزيز قدرات المؤسسات اللبنانية الأمنية والعسكرية، والحفاظ على دور أوروبي في ترتيبات المرحلة المقبلة. في المقابل، يستبعد مراقبون أن يكون هناك بديل جاهز لـ«اليونيفيل» فور انتهاء مهمتها، معتبرين أن غياب قوة دولية في الجنوب قد يزيد الضغوط على الجيش اللبناني لتنفيذ التفاهمات الأمنية القائمة، ويفتح المجال أمام ترتيبات جديدة بشروط أكثر صرامة. وتذهب تقديرات إلى احتمال إنشاء آلية دولية بديلة تضم مراقبين أميركيين، تكون مهمتها الإشراف على تنفيذ التفاهمات بين لبنان وإسرائيل، وربما تتمتع بصلاحيات مختلفة عن تلك التي كانت تتمتع بها «اليونيفيل». إلا أن هذه السيناريوهات لا تزال مرتبطة بمسار المفاوضات وبموقف واشنطن وتل أبيب من شكل الوجود الدولي المقبل. الجنوب أمام مرحلة حساسة.. ومخاوف من فراغ أمني تزداد أهمية المبادرة الأوروبية مع الغموض المحيط بترتيبات ما بعد «اليونيفيل»، في وقت تتواصل فيه التقديرات بشأن احتمال تصاعد التوتر الميداني وتوسيع المناطق الخاضعة لقيود أمنية إسرائيلية. ويرى مراقبون أن انتهاء المهمة الأممية من دون التوصل إلى صيغة بديلة قد يخلق فراغًا في آليات المراقبة والاتصال بين الطرفين، ويزيد صعوبة متابعة تنفيذ التفاهمات الأمنية على الأرض. وفي المقابل، لا يستبعد بعض المحللين استمرار الاتصالات لتجنب احتكاك مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، حتى في حال تغير شكل الوجود الدولي. وكانت «اليونيفيل» قد واجهت تحديات ميدانية خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، شملت تضرر مواقعها وتداخل مهامها مع التطورات العسكرية واتساع نطاق الوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية. وأعادت هذه التطورات طرح أسئلة بشأن قدرة القوة الأممية على مواصلة مهمتها بالصيغة الحالية، وطبيعة الضمانات المطلوبة لمنع تجدد المواجهات. واشنطن وتل أبيب لم تحسما موقفهما حتى الآن، لا تتوافر مؤشرات واضحة بشأن