من المواطن إلى الحاكم... من يمنع قيام الدولة في لبنان؟ - ألكسندر نعمه الجزء الثاني من مقالة: في ذكرى 13 تشرين، هل فشلت محاولة بناء الدولة أم أفشلناها جميعًا؟ في مقالتي السابقة، «في ذكرى 13 تشرين... هل فشلت محاولة بناء الدولة أم أفشلناها جميعًا؟»، حاولنا قراءة تجربة سياسية امتدت على مدى عقود، من النضال في الشارع إلى ممارسة السلطة، ومن رفع شعارات بناء الدولة إلى مواجهة التعقيدات التي حالت دون تحقيق مشروع العماد ميشال عون كما كان مأمولًا. ولم يكن الهدف تبرئة تجربة سياسية أو إدانتها، بقدر ما كان محاولة لفهم الأسباب التي تجعل مشاريع الإصلاح في لبنان تتعثر، حتى عندما يصل أصحابها إلى مواقع القرار. لكن السؤال الذي انتهينا إليه يفتح الباب أمام إشكالية أكثر عمقًا: هل المشكلة أن اللبنانيين لم يستطيعوا بناء الدولة، أم أن بعض القوى النافذة لم تكن لها مصلحة أصلًا في قيام دولة قادرة على إخضاع الجميع للقانون؟ لطالما انشغل اللبنانيون بالنقاش حول طبيعة نظامهم السياسي، وتوزيع الصلاحيات، والتوازنات الطائفية، والحاجة إلى تعديل الدستور أو تطويره. وهي نقاشات مشروعة، وقد تكون بعض الإصلاحات الدستورية ضرورية لمواكبة تطور الدولة والمجتمع. لكن اختزال الأزمة اللبنانية في النصوص الدستورية وحدها يطرح إشكالية أساسية: هل فشل لبنان لأن دستوره لا يسمح ببناء دولة حديثة، أم لأن القوى المكلفة بتطبيقه لم تلتزم دائمًا بمقتضياته، بل وجدت في تعطيل بعض أحكامه وسيلة للحفاظ على نفوذها ومصالحها؟ لا يمكن لأي دستور، مهما بلغت جودة نصوصه، أن ينتج دولة فاعلة إذا كانت القوى المكلفة بتطبيقه تستفيد من تعطيله. فالقوانين لا تنفذ من تلقاء نفسها، والمؤسسات لا تكتسب استقلاليتها بمجرد وضع النصوص عليها، والرقابة لا تصبح فاعلة ما لم تتوافر الإرادة لحماية استقلالها وتطبيق نتائجها. لذلك، فإن إصلاح النصوص، على أهميته، لا يكفي ما لم يترافق مع إصلاح عميق في الثقافة السياسية والاجتماعية وفي آليات ممارسة السلطة. انطلاقًا من تجربتي الشخصية في العمل السياسي والاجتماعي، أرى أن جانبًا أساسيًا من الأزمة التي يعاني منها مجتمعنا اللبناني يبدأ من علاقة المواطن بالدولة، ومن الثقافة التي تحكم علاقته بالزعيم والسلطة. ففي المجتمعات التي تقوم فيها الدولة على مفهوم المواطنة، تكون العلاقة بين الفرد والمؤسسات علاقة حقوق وواجبات، يحكمها القانون وتضمنها المساواة. أما في لبنان، فقد ترسخت عبر عقود علاقة مختلفة، تقوم في كثير من الأحيان على الولاء للزعيم أو البيك أو الرئيس، وعلى قناعة ترسخت بفعل التجربة اليومية، بأن الحصول على الحق يحتاج في كثير من الأحيان إلى واسطة، وأن الحماية تأتي من الانتماء السياسي أو الطائفي أكثر مما تأتي من مؤسسات الدولة. وبناءًا على هذه الصورة المرسومة في ذهن المواطن، يجد نفسه أمام تناقض عميق. في ذهنه وثقافته يطالب بدولة عادلة وقادرة، لكن في الوقاع يلجأ إلى الزعيم لتأمين وظيفة أو خدمة أو استثناء من القانون. تسمعه في الجلسات وحديثًا على شبكات التواصل الاجتماعي ينتقد المحاصصة، ثم يسعى للاستفادة منها عندما تتاح له الفرصة. يرفض الفساد من حيث المبدأ، لكنه يتسامح معه عندما يرتبط بمن يعتبره ممثلًا له أو مدافعًا عن جماعته. غير أن تحميل المواطن المسؤولية وحده سيكون ظلمًا وتبسيطًا للمشكلة. فحين تعجز الدولة عن تأمين الحقوق والخدمات والحماية الاجتماعية بصورة عادلة، يصبح الاعتماد على الزعيم أحيانًا وسيلة للبقاء لا مجرد خيار سياسي. وهنا تتشكل دائرة مغلقة: ضعف الدولة يدفع المواطن إلى طلب الحماية من الزعيم، والاعتماد على الزعيم يعزز نفوذه على حساب الدولة، فيزداد ضعف المؤسسات وتترسخ الحاجة إليه. ومن المواطن ننتقل إلى الأحزاب السياسية، التي يفترض أن تكون الجسر بين المجتمع والدولة، والمدرسة التي تتكون فيها القيادات والبرامج والسياسات العامة. في كتابي الأخير حول إدارة الأحزاب السياسية، انطلقت من فكرة أن استدامة الأحزاب وقدرتها على العمل المؤسسي ترتبطان ارتباطًا مباشرًا بفاعلية الدولة. فالحزب الذي لا يمتلك آليات واضحة للمحاسبة، ولا يمارس الديمقراطية الداخلية، ولا يعمل على إعداد قيادات جديدة، ولا يضمن استمرارية مشروعه بعيدًا عن شخص رئيسه، يصعب عليه أن يقدم نموذجًا مختلفًا عندما يصل إلى السلطة. كيف يمكن لحزب يقوم على الولاء لشخص أن يبني دولة تقوم على الولاء للمؤسسات؟ وكيف يمكن لقوة سياسية لا تقبل النقد داخل تنظيمها أن تؤسس إدارة عامة خاضعة للمساءلة؟ وكيف نستطيع المطالبة باستدامة السياسات العامة إذا كانت البرامج الحزبية نفسها تتغير تبعًا للتحالفات والظروف الانتخابية ومصالح القيادات؟ ليست المشكلة في وجود أحزاب قوية، بل في طبيعة هذه القوة. فالديمقراطيات تحتاج إلى أحزاب منظمة وقادرة على إنتاج السياسات وتج