الرئيسية مقالات أرشيف المقالات مقالات · أرشيف المقالات تغييب الإمام موسى الصدر: اغتيال المشروع الإسلامي العروبي المعتدل صمّام أمان لبنان بقلم زياد سامي عيتاني 31 آب 2026 · 01:07 ص 3 دقائق قراءة حجم الخط لم يكن اختفاء الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين في أواخر آب 1978، مجرد حادثة اختطاف سياسي لرمز ديني أو قامة وطنية عابرة في تاريخ لبنان والمنطقة. بل كان قراراً إستراتيجياً مدروساً نفذته قوى السعي نحو الفوضى لتصفية مشروع فكري وسياسي نهضوي جامع، تشكّل في لحظة تاريخية فارقة ليشكّل سدّاً منيعاً أمام مخططات التجزئة والتطييف وإعادة إعادة رسم جغرافية المشرق العربي على أسس الكنتونات المذهبية والإثنية المتصارعة. لقد مثّل الإمام الصدر حالة استثنائية ونادرة في الفكر السياسي العربي والإسلامي الحديث، حيث التقت في شخصيته وسلوكه المرجعية الفقهية الأصيلة مع رحابة الفكر الإنساني والعروبة الحضارية المنفتحة. ارتكز مشروع الإمام موسى الصدر على ركائز فكرية وعملية تجمع بين العقلانية الفذّة والالتزام القومي والإنساني العميق. فقد قدّم قراءة إسلامية متجدّدة تجعل من الدين خادماً جليلاً للإنسان وكرامته، ملغياً الفوارق الطبقية والمذهبية، ومؤسساً لمفهوم المواطنة الكاملة وحقوق المحرومين والمهمّشين في أطراف الوطن. وفي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تتجاذبها الأيديولوجيات الحزبية الضيقة والأنظمة الشمولية القمعية، طرح الصدر مفهوماً مرناً وأصيلاً للعروبة؛ عروبة جامعة تتسع لجميع مكونات المشرق العربي بتنوّعه العريق، وترتكز على الإرث الحضاري الثقافي المشترك والتاريخ الممتد، بدلاً من العصبية القومية العنصرية المغلقة. وعلى صعيد المواجهة الإستراتيجية مع الاحتلال، شكّلت القضية الفلسطينية حجر الزاوية والقبلة السياسية في خطاب الإمام وفكره. فلم يرَ فيها مجرد قضية شعب مُهجّر أو أزمة إنسانية للاجئين، بل اعتبرها قضية الحق المطلق في مواجهة الكيان الإسرائيلي الذي وصفه صراحة بـ«الشر المطلق»، مؤكداً أن التعامل معه حرام والتعايش معه مستحيل. وقد جمع في رؤيته الثاقبة بين وجوب دعم النضال الفلسطيني وتثبيت أواصر المقاومة، وبين ضرورة حماية الجنوب اللبناني والدفاع عن سيادته، واضعاً معادلة التلاحم الوطني بين الشعب والمؤسسات والدفاع السليم لمواجهة الأطماع الإسرائيلية، ومحذّراً ببُعد نظر استثنائي من استنزاف الطاقات العربية في صراعات جانبية وأحقاد مذهبية هامشية. إن قراءة تداعيات هذا التغييب القسري تُظهر حجم الخسارة الجسيمة التي مُني بها الفكر السياسي والمجتمع العربي برمّته. فقبل التغييب، كان حضور الإمام الصدر يشكّل صمام أمان حقيقياً يضمن سقفاً مرتفعاً من الخطاب العابر للطوائف والمذاهب، ويحافظ على توازن دقيق ومجيد بين مطالب الإصلاح الداخلي والعدالة الاجتماعية من جهة، والتزام القضايا القومية الكبرى وعلى رأسها فلسطين من جهة أخرى، مع التركيز المستمر على التنمية البشرية والتكافل الإنساني. أما بعد التغييب، فقد شهدت الساحة العربية واللبنانية فراغاً قيادياً وفكرياً هائلاً، أسهم بشكل مباشر في تصاعد الانقسام الطائفي وتعميق الحدية الأيديولوجية، وانزلاق البلاد نحو أتون الحرب الأهلية المدمّرة والاقتتال الداخلي العبثي، بالتوازي مع خضوع المنطقة برمّتها لاستقطابات إقليمية ودولية حادة ألغت مساحات الحوار والاعتدال واستبدلتها بلغة السلاح والشرذمة. لقد كان الإمام موسى الصدر يدرك بعمق أن قوة لبنان والمنطقة تكمن في تنوعها الثقافي والروحي وفي التزامها الصادق بقضاياها المحقة، وكان تغييبه شللاً مقصوداً لصوت العقل والحكمة في وقت كانت المنطقة تُساق فيه قسراً نحو الحروب العبثية والتمزيق الممنهج. إن استعادة ذكرى الإمام موسى الصدر اليوم ليست مجرد استذكار لمظلمة تاريخية أو وفاء لرمز قامة إنسانية شامخة، بل هي استحضار ملح لنهج فكري وسياسي يحتاجه العالم العربي والمشرق اليوم أكثر من أي وقت مضى. تظل قضية الصدر تذكيراً دائماً بأن النهوض الحضاري والسياسي لا يمكن أن يتحقق إلّا من خلال عروبة جامعة تستوعب الجميع، وإسلام معتدل ينفتح على الآخر، وإنسان يُصان حقه الأصيل في الحرية والكرامة والعدالة.