لم تكن أزمة النظام السوري الساقط أزمة حكم فحسب، بل كانت أيضاً أزمة خطاب سياسي ظلّ طوال خمسة عشر عاماً يرفض الاعتراف بحقيقة ما يجري في سوريا، وبالأسباب العميقة التي دفعت السوريين إلى الثورة والاحتجاج، وأدخلت سوريا في دوامة من الحرب والدمار، طاولت البشر والحجر، وخلّفت جراحاً اجتماعية ووطنية يصعب شفاؤها. فمنذ اللحظة الأولى، اختصر النظام السابق الأزمة السورية برواية واحدة لا تقبل النقاش: جماعات إرهابية مسلحة تستهدف الدولة وتسعى إلى إسقاط النظام. لم يعترف يوماً بأن هناك أزمة سياسية ووطنية عميقة، صنعتها عقود من الاستبداد والقمع والتمييز، ولا بأن نظاماً ذا بنية طائفية وأقلوية احتكر السلطة، وألغى الحياة السياسية، وصادر الحريات، وأغلق أبواب المشاركة أمام السوريين، وحوّل مؤسسات الدولة إلى أدوات لحماية بقائه. كانت الوصفة جاهزة لكل احتجاج، والتهمة جاهزة لكل معترض: الإرهاب والتآمر على الدولة. ولم تقتصر هذه السياسة على من حمل السلاح في مواجهة النظام، بل شملت حتى المعارضة الوطنية السلمية التي طالبت بالإصلاح والتغيير بالوسائل السياسية. فكل من اختلف مع السلطة، ولو بالكلمة والموقف، أصبح في نظرها عدواً للدولة، أو ملحقاً بالتنظيمات المسلحة. لقد كان خطاباً متخلّفاً وإقصائياً، يفتقر إلى أبسط مقومات المسؤولية الوطنية، لأنه لم يميز بين الدولة والنظام، ولا بين المعارضة والإرهاب، ولا بين المطالبة بالحقوق والاعتداء على المؤسسات. وكان الأخطر أنه جعل من الإقصاء والتخوين سياسة حكم، ومن الهروب إلى الأمام بديلاً دائماً من الاعتراف بالأخطاء ومعالجة أسباب الأزمة. لكن المفارقة المؤلمة أن سقوط النظام لم يؤدِّ إلى سقوط هذا النهج في الخطاب السياسي. فبدلاً من الانتقال إلى خطاب وطني جامع، يعترف بالتنوع السوري ويؤسس لشراكة حقيقية بين جميع مكونات المجتمع، برز خطاب إقصائي من نوع آخر، يقوم على مهاجمة الأقليات والتشكيك بولائها الوطني، واتهامها بأنها ترفض أن يكون رئيس البلاد من الأكثرية، أو أنها تتحرك بدافع الحنين إلى النظام السابق. وهذا خطأ سياسي ووطني فادح، فضلاً عن كونه تزويراً لحقائق التاريخ القريب. فالأقليات السورية ليست كتلة سياسية واحدة، ولم تكن يوماً موحّدة في موقفها من النظام الساقط. بل إن قطاعات واسعة منها كانت ناقمة على حكم الأسد، وشاركت بقوة في المعارضة السياسية والمدنية، ودفعت أثماناً باهظة نتيجة مواقفها. وإذا كانت بعض هذه المكونات لم تنخرط على نطاق واسع في العمل المسلح، فإن ذلك لا يلغي دورها في معارضة الاستبداد، ولا يبرر اتهامها بالتواطؤ معه. والطائفة المعروفية في السويداء مثال واضح على ذلك، إذ شهدت المحافظة حراكاً سياسياً وشعبياً معارضاً للنظام، كما رفضت قطاعات واسعة من أبنائها زجّ الشباب في جيشه وحروبه. ولم يكن هذا الموقف تفصيلاً عابراً، بل تعبيراً عن رفض الانخراط في حرب لم يرَ فيها كثيرون من أبناء المحافظة مصلحة وطنية. ومع ذلك، استمر خطاب التخوين والإقصاء، ووُضعت جماعات بكاملها في سلة واحدة، وأُطلق العنان لأبواق دينية وإعلامية تمارس التحريض وتوزع شهادات الوطنية والانتماء، وكأن سوريا أصبحت ملكاً لفئة دون أخرى، وكأن من حق طرف واحد أن يحدد من هو السوري الصالح ومن هو المشكوك بولائه. إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يعيد إنتاج منطق النظام السابق، ولكن بأسماء وشعارات مختلفة. فالنظام الساقط كان يتهم معارضيه بالإرهاب، واليوم يجري اتهام معارضين أو متحفظين على بعض سياسات السلطة الجديدة بأنهم فلول أو انفصاليون أو أدوات لمشاريع خارجية. تغيّرت المفردات، لكن جوهر المشكلة بقي على حاله: رفض الاعتراف بالآخر، واعتبار الاختلاف السياسي جريمة، وتحويل الانتماء الوطني إلى امتياز تمنحه السلطة لمن يوافقها وتحجبه عمّن يعارضها. وجاءت أحداث الساحل والسويداء في مناخ مشحون بهذا الخطاب، لتكشف مدى خطورة التحريض حين يتحول من كلمات وشعارات إلى بيئة تسمح بوقوع انتهاكات ذات طابع طائفي، وتعمّق مشاعر الخوف وانعدام الثقة بين أبناء الوطن الواحد. وكان يفترض بهذه الأحداث أن تشكل جرس إنذار يدفع إلى مراجعة جادة للخطاب والممارسة، وإلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، أياً تكن انتماءاتهم، لا أن تصبح مناسبة إضافية لتبادل الاتهامات وتوسيع دائرة الخصومات. والأدهى أن هذا التصعيد يجري في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتراجع مستويات المعيشة، وترتفع أسعار المواد الغذائية والمحروقات وسائر مستلزمات الحياة، فيما يجد المواطن نفسه عاجزاً عن تأمين أبسط احتياجات أسرته. لكن بدلاً من أن تحتل هذه القضايا موقع الصدارة في الخطاب السياسي، وبدلاً من تقديم حلول واقعية وخطط واضحة لمعالجة الاختلالات المتراكمة، تستمر سياسة الهروب إلى الأمام، من خلال تصعيد الخطاب الطائفي وتحميل المكونات الأقلوية مسؤول