في زمنٍ تصنع فيه هوليوود أبطالاً خارقين من الخيال، وتُنفق الملايين لتُقنع العالم بأنّ إنساناً يستطيع أن يتحدّى قوانين الطبيعة، اختار المخرج نديم مهنا بطلاً من نوعٍ آخر. بطلاً لم يخرج من مخيّلة كاتب، ولم تصنعه المؤثّرات البصرية، ولم يحتج إلى سيفٍ ليهزم الشرّ، ولا إلى جيشٍ ليغزو العالم. وإذا كانت السينما تبحث عن أبطالٍ تصنع منهم الأساطير، فإنّ نديم مهنا اختار شخصيةً لا تحتاج إلى أسطورة كي تكون عظيمة. اختار رجلاً انتصر على العالم حين تخلّى عنه، وبلغ المجد حين اختار التواضع، وأصبح عظيماً حين لم يطلب من الحياة شيئاً اختار مار شربل ذلك الناسك اللبناني الذي لم يحمل سلاحاً، ولم يجلس على عرش، ولم يؤسّس إمبراطورية، لكنّه ترك في وجدان المؤمنين إرثاً روحياً تجاوز القارات واللغات والحدود حتى وصل الى 30 ألف عجيبة. ففي التاسع من تشرين الأول 2026، لم تكن MTV تستضيف مجرّد حفل إطلاق عمل سينمائي كان شارع المر على موعد مع مشهدٍ استثنائي، حيث التقت السينما بالإيمان، والإنتاج الفني بالرسالة الروحية، وحيث تحوّلت المؤسسة الإعلامية إلى مساحة احتفالٍ بقدّيسٍ لبناني تخطّت شهرته حدود وطنه من المدخل إلى أروقة المؤسسة، امتدّت الزينة والشموع والورود والمجسّمات، في مشهدٍ بدا أقرب إلى عرسٍ كنسي مهيب منه إلى حفل إطلاق فيلم. كانت الأضواء تتعانق مع الشموع، والورود تروي حكاية الفرح، والتفاصيل الصغيرة تؤكّد أنّ ما يجري ليس مناسبةً عابرة. في تلك الليلة، لم يكن شارع المرّ يستقبل ضيوفاً فحسب، بل كان يستقبل حكاية لبنان الذي يصلّي، ويحلم، ويُبدع، ويصرّ على أن يبقى حيّاً وحضر الحفل رئيس الجمهورية جوزاف عون والسيدة الأولى نعمت عون، إلى جانب شخصيات سياسية ودبلوماسية وإعلامية وفنية، في لقاءٍ منح المناسبة بُعداً وطنياً تجاوز حدود الاحتفال السينمائي. من السهل أن تمتلك محطةً تلفزيونية، لكنّ الأصعب أن تبني مؤسسةً قادرة على تحويل حدثٍ فني إلى مناسبة وطنية، وأن تمنح عملاً سينمائياً كلّ هذا الحضور والاهتمام. فالرجل الذي يقف على رأس MTV لم يتعامل مع إطلاق فيلم شربل بإعتباره خبرا يٌبث في نشرة أو تقرير يعرض في برنامج فيلم شربل بإعتباره خبراً بل بوصفه مناسبة تستحقّ أن تُفتح لها أبواب المؤسسة، وأن تُسخَّر لها الإمكانات التنظيمية والإعلامية، وأن يتحوّل المكان نفسه إلى جزءٍ من الحكاية. لقد أثبت هذا المشهد أنّ قوة المؤسسة الإعلامية لا تُقاس فقط بعدد مشاهديها، ولا بحجم استوديوهاتها، ولا بقدرتها التقنية، بل أيضاً بقدرتها على صناعة لحظاتٍ تبقى في الذاكرة وفي كلمته خلال الحفل، اعتبر ميشال المرّ أنّ القديس شربل يجسّد صورة لبنان الذي نحبّه، وهي عبارة تختصر البعد الوطني الذي أراد إضفاءه على المناسبة. وهنا تكمن أهمية ما جرى ففي بلدٍ اعتاد أن يجتمع أبناؤه حول الخلافات، استطاعت مناسبة روحية وفنية أن تجمع وجوهاً من مشارب مختلفة حول شخصيةٍ تحظى بمكانة استثنائية في الوجدان اللبناني حتى رئيس الجمهورية شدّد على أنّ مار شربل قديس عالمي يجمع اللبنانيين بمحبته وقوة إيمانه، داعياً إلى الإيمان بلبنان والتضحية من أجله، لا التضحية به إنّ بناء إمبراطورية إعلامية إنجاز، لكنّ القيمة الأكبر أن تعرف متى تستخدم قوة تلك الإمبراطورية لخدمة رسالة تتجاوز الإعلام نفسه. وهذا ما جعل MTV مختلفة. فميشال المر لم يكن يصنع إحتفال بل كان يقدم صورة عما تستطيع مؤسسة لبنانية أن تفعله عندما تلتقي الرؤية بالإرادة، والإمكانات بالهوية، والإنتاج الثقافي بالإيمان. فإذا كان ميشال المرّ قد فتح أبواب إمبراطوريته الإعلامية لهذا الحدث الاستثنائي، فإنّ مارسيل غانم كان حاضراً بثقله الإعلامي إلى جانب هذا المشروع، ليؤكّد أنّ الأعمال الكبرى لا يصنعها الإبداع وحده، بل تحتاج أيضاً إلى رجالٍ يؤمنون برسالتها ويمنحونها من حضورهم وتأثيرهم. فلا يمكن المرور على اسم مارسيل غانم مرور الكرام، فمارسيل الذي اعتاد اللبنانيون أن يروه في قلب الأحداث الكبرى، كان هذه المرّة حاضراً في مشروعٍ من نوع آخر، مشروع لا يبحث عن مواجهة سياسية، ولا عن سبقٍ إعلامي، بل عن إيصال حكاية قدّيس لبناني إلى العالم ولعلّ القيمة الكبرى في دعمه لهذا العمل تكمن في أنّ الإعلامي الحقيقي لا تُقاس أهميته فقط بما يقوله أمام الكاميرا، بل أيضاً بما يستطيع أن يسانده خارجها، وبالقضايا الثقافية والإنسانية والروحية التي يختار أن يمنحها من حضوره وتأثيره لقد كان وجود مارسيل غانم إلى جانب ميشال المرّ ونديم مهنا في التحضير للمناسبة، وفي اللقاء الرسمي مع رئيس الجمهورية، دليلاً على أنّ فيلم شربل لم يكن مجرّد مشروع سينمائي، بل مناسبةً تستدعي تضافر الجهود الإعلامية والثقافية والوطنية للنهوض بلبنان من مكان ما. فليس كلّ من امتلك منبراً امتلك رسالة، وليس كلّ من وصل إلى الناس عرف كيف يضع تأثيره في