أثار تعديل المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني بموجب القانون رقم 191/2020 نقاشاً واسعاً حول نطاق الحقوق التي أُقرت للمشتبه فيه خلال مرحلة التحقيق الأولي أمام الضابطة العدلية. وقد انصبّ هذا النقاش بصورة أساسية على مضمون هذه الحقوق، ولا سيما حق الاستعانة بمحام، الحق في التزام الصمت، الحق في الاتصال بالعائلة، الحق في المعاينة الطبية والحق في الإعلام الفوري بالحقوق. غير أن الإشكالية الأكثر عمقاً تكمن في تحديد الطبيعة القانونية لهذه الحقوق. فهل هي مجرد حقوق إجرائية أنشأها المشرّع العادي ويستطيع تعديلها أو تقييدها متى شاء؟ أم أنها حقوق تستند إلى قواعد دستورية وأصول فوق تشريعية تجعل سلطة المشرّع مقيدة عند تنظيمها؟ تهدف هذه القراءة في خمس نقاط مختصرة إلى المحاولة للإجابة على بعض هذه الأسئلة في ضوء الدستور اللبناني والقانون المقارن والفقه الحديث، إذ تؤثر الإجابة عنها مباشرةً على مستقبل المادة 47 وعلى مدى إمكان تعديلها أو الانتقاص منها مستقبلاً. أولاً، بين المصدر التشريعي والدستوري والأساس الدستوري لحقوق المادة 47 من الناحية الشكلية، ترد المادة 47 في قانون أصول المحاكمات الجزائية، إلا أن الفقه الدستوري الحديث يميز بين مصدر القاعدة القانونية والقيمة القانونية للحق الذي تحميه. ويشير الفقيه الفرنسي لويس فافورو إلى أن الحق قد يكون منصوصاً عليه في قانون عادي، لكنه يستمد حمايته الحقيقية من مبادئ دستورية أسمى(1). ومن هنا فإن السؤال لا يتعلق بمكان وجود المادة 47، بل بطبيعة الحقوق التي تتضمنها. تحديدًا، تنص المادة 8 من الدستور اللبناني على أن "الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون" بمعنى أن الحرية الفردية قيمة دستورية، وتُعد هذه المادة برأي الكاتب من أهم النصوص الدستورية المتعلقة بالعدالة الجزائية، فالحرية الشخصية لا تعني فقط منع الاعتقال التعسفي، بل تشمل أيضاً الضمانات الإجرائية التي تحيط بسلب الحرية (2). وقد اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي أن حماية الحرية الفردية لا تقتصر على الرقابة على الاحتجاز، بل تمتد إلى الإجراءات التي تسبق الاحتجاز وترافقه (3). وعليه، فإن حقوق المادة 47 تمثل أدوات دستورية لحماية الحرية الشخصية. أما مقدمة الدستور اللبناني، فهي تكتسب قيمة دستورية ملزمة وفق اجتهاد المجلس الدستوري اللبناني (4). وتنص بالتالي الفقرة (ب) منها على التزام لبنان بـ"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، كما تنص الفقرة (ج) على التزام لبنان بمواثيق الأمم المتحدة. وهذا يعني أن المعايير الدولية للمحاكمة العادلة أصبحت جزءاً من الكتلة الدستورية اللبنانية Bloc de constitutionnalité، ومن ثم فإن حقوق المادة 47 تجد سندها في مقدمة الدستور والمادة 8 من الدستور والمواثيق الدولية ذات القيمة الدستورية. ثانياً، المادة 47 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية انضم لبنان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية سنة 1972، وتنص المادة 14 منه على ضمان حق الدفاع والحق في الاستعانة بمحام والحق في محاكمة عادلة (5). وقد أكدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تعليقها العام رقم 32 أن هذه الحقوق تبدأ منذ المراحل الأولى للتحقيق وليس فقط أمام المحكمة (6). وبالتالي فإن المادة 47 لا تنشئ هذه الحقوق، بل تنظّم حقوقاً موجودة مسبقاً بموجب التزامات دستورية ودولية. ثالثاً، الحق في الاستعانة بمحام كحق دستوري في فرنسا (العزيزة على قلب النظام القضائي والقانوني اللبناني) وفي قراره الشهير رقم Décision n° 2010-14/22 QPC الصادر في 30 تموز 2010، اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي أن حقوق الدفاع تشكل مبدأً دستورياً أساسياً لا يجوز للمشرّع المساس بجوهره (7)، وقد أدى هذا القرار مباشرة إلى إصلاح نظام garde à vue في فرنسا سنة 2011. وهنا تظهر أهمية المقارنة، فحق المحامي لم يعد مجرد حق إجرائي، بل أصبح جزءاً من الكتلة الدستورية.أما في كندا، اعتبرت المحكمة العليا الكندية أن حق الاستعانة بمحام أثناء الاحتجاز يستند مباشرة إلى المادة 10(ب) من الميثاق الكندي للحقوق والحريات (8)، ومن ثم لا يستطيع البرلمان إلغاء هذا الحق أو إفراغه من مضمونه. رابعاً، نظرية "المضمون الجوهري للحق" هي من أهم نظريات القانون الدستوري الحديث نظرية Essential Content Doctrine، أو Théorie du noyau essentiel du droit، وتعني أن أي حق دستوري يملك نواة أساسية لا يجوز للمشرّع المساس بها مهما كانت المبررات (9)، وقد تبنت هذه النظرية أيضا المحكمة الدستورية الألمانية والمحكمة الدستورية الإسبانية والمجلس الدستوري الفرنسي بصورة غير مباشرة. السؤال هنا كيف تطبق على المادة 47؟ إذا اعتبرنا أن حق المحامي وحق الصمت وحق الإعلام بالحقوق ذات طبيعة دستورية، فإن المشرّع لا يستطيع مثلاً إلغاء حضور المحامي كلياً ومنع المحت