لم تنهِ الضربات الأميركية الإسرائيلية، التي استهدفت منشآت مرتبطة ببرنامج الصواريخ الإيراني هذا البرنامج، لكنها جعلت قدرته على الإنتاج والتعويض موضع تساؤل. وبينما يصعب التحقق من حجم الأضرار، يظل السؤال الأساسي: كم تضرر المنشآت، وإلى أي حد تراجع المخزون، وهل ما زال لدى إيران القدرة على إطلاق الصواريخ. لم يعد السؤال إذن مقتصراً على المواقع التي أصابتها الضربات، بل على أثرها في قدرة طهران على الحفاظ على ترسانتها وتجديدها. فالمنشآت المتضررة لا تكشف وحدها حجم الخسائر، إذ يتوقف الحكم على ما أصيب من معدات، وما تعطل من سلاسل الإمداد، وما بقي من مخزون وخبرة فنية. تحتل الصواريخ الباليستية موقعاً محورياً في الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية. فعلى مدى سنوات، دفعت العقوبات والقيود على استيراد السلاح طهران إلى تطوير قدرات محلية تعوض، جزئياً، محدودية قوتها الجوية التقليدية. لكن امتلاك خبرة في التصميم والتجميع لا يعني الاكتفاء الذاتي الكامل، ولا يضمن استمرار الإنتاج بالوتيرة نفسها عند تعطل منشآت أو صعوبة الوصول إلى مكونات ومعدات متخصّصة. وتشير تقارير متداولة إلى أن الضربات طالت مواقع مرتبطة بإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة. إلا أن تقدير حجم الأضرار وتأثيرها الفعلي يظل صعباً في غياب معلومات مستقلة ومفصلة. وكما ذكرنا، فقد يؤدي تضرر منشأة إلى إبطاء الإنتاج من دون أن يوقف البرنامج بأكمله، كما أن إصابة موقع لا تكشف بالضرورة ما إذا كانت خطوط التصنيع أو المخزونات قد تضررت. لذلك ينبغي التعامل بحذر مع أي استنتاج قاطع بشأن انهيار القدرة الإيرانية أو استمرارها من دون تغيير. ومن المهم أيضاً التمييز بين تضرر منشآت الإنتاج وانخفاض المخزون الصاروخي، فالأول لا يثبت تلقائياً الثاني، ولا يعني أن القدرة على الإطلاق قد توقفت. فالمخزون القائم، والقدرة على التصنيع والتعويض، والقدرة على استخدام الصواريخ، أمور مختلفة ينبغي تقييم كل منها على حدة. ومن المعلوم أن الضربات ترفع كلفة الإنتاج وتؤخر التعافي، من دون أن تمحو الخبرة المتراكمة أو تنهي التهديد. تفوق شامل ومقارنة غير متكافئة في مواجهة الولايات المتحدة، لا تستقيم المقارنة بحساب عدد الصواريخ وحده. فواشنطن تمتلك قوة جوية وبحرية واسعة، وقدرات متقدمة في الاستطلاع والإنذار المبكر، فضلاً عن شبكة من الحلفاء والقواعد. أما إيران، فتعتمد على الصواريخ بدرجة أكبر لتعويض جوانب من محدودية قوتها الجوية التقليدية. وبذلك تؤدي الصواريخ دوراً محورياً في استراتيجية الردع الإيرانية، لكنها لا تجعل ميزان القوة متكافئاً. إلى ذلك، تتمتع إسرائيل بتفوق نوعي في الطيران والاستخبارات والتقنيات العسكرية، إلى جانب منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات. غير أن الدفاعات لا تضمن اعتراض كل مقذوف كما حصل في المواجهات السابقة، إذ تتأثر فاعليتها بنوع السلاح ومساره وكثافة الهجوم والظروف الميدانية. وفي المقابل، لا تثبت الضربات الإسرائيلية الناجحة أن القدرات الإيرانية قد زالت. فالنتيجة تتوقف على حجم الأضرار ودقة المعلومات واستمرار الضغط وسرعة الإصلاح وتوافر البدائل. الخليج، دفاعات متفاوتة ومخاطر مشتركة ولا يصح التعامل مع دول الخليج العربي بوصفها كتلة عسكرية متجانسة. فدول الخليج تختلف في قدراتها الدفاعية وترساناتها ومستوى التنسيق بينها، وإن كانت الشراكات والتحالفات الأمنية والأنظمة الحديثة تعزز قدرات الرصد والاعتراض لدى بعضها. وتزداد أهمية تبادل المعلومات والتنسيق عندما تتعدد مصادر الهجوم أو تتزامن، فيما تظل حماية البنية التحتية الحيوية تحدياً يتجاوز امتلاك منظومات دفاعية متطورة. وتمنح الصواريخ طهران وسيلة للضغط والردع، لكنها تنطوي أيضاً على مخاطر التصعيد والرد العسكري. فالقدرة على تهديد أهداف إقليمية لا تضمن مكاسب سياسية، وقد يقابل استخدامها استنزاف للمخزون وأضرار اقتصادية وضغوط عسكرية أشد. إلى الآن، لا تكفي المعلومات المتاحة والمنشورة للجزم بانهيار الصناعة الصاروخية الإيرانية أو بعودتها السريعة إلى مستوى ما قبل الضربات. والأرجح أن طهران تواجه ضغوطاً أكبر على الإنتاج والتعويض، مع احتفاظها بقدر من القدرة الصاروخية. وستتضح ملامح المرحلة المقبلة بقدر ما تتوافر معلومات موثوقة عن المخزون وحالة المنشآت وسلاسل التوريد وسرعة الإصلاح. وحتى ذلك الحين، يبقى التقدير الأكثر مهنية أن البرنامج تضرر، لكن حجم الضرر وحدود أثره لا يزالان غير محسومين.