هل سرقت "أوبن إي آي" سنة من عمل عالم رياضيات عبر نافذة محادثة ChatGPT؟ لا أدلة دامغة على ذلك حتى اليوم. لكن ما ثبت من القصة يكفي ليهز ثقة العلماء بالأدوات التي صاروا يكتبون بها أبحاثهم. في أواخر آب 2026 سرت شائعة على الإنترنت بأن "أنثروبيك" حلت واحدة من أكبر مسائل الرياضيات المفتوحة. لم تكن الشائعة دقيقة. ففي 3 أيلول كتب تريستان باكماستر (Tristan Buckmaster)، أستاذ الرياضيات في جامعة نيويورك، إلى عالم رياضيات بارز في "أوبن إي آي" ليوضح أن الأمر تعاون شخصي بينه وبين زميله ليفنت ألبوغه (Levent Alpöge)، الذي يعمل في "أنثروبيك"، ولا علاقة لـ"أنثروبيك" بمشروعهما البحثي. جاءه الرد في اليوم نفسه: إن قدّمت لنا تفاصيل عن عملك فسيساعدنا ذلك على "تجنب التنافس" معك. وتضمن الرد عرضاً بأن يستعمل حواسيب الشركة العملاقة في بحثه. بعد خمسة أيام أعلنت "أوبن إي آي" أن نموذجها حل المسألة التي كان الرجلان يقتربان منها. وكان باكماستر طوال عام يضع مسوداته في "كودكس"، أداة "أوبن إي آي" نفسها، ويدفع ثمن اشتراكه فيها من منحته البحثية. لكن ما هي المسألة العالقة التي ادعت "أوبن إي آي" حلها؟ معادلات نافييه-ستوكس (Navier-Stokes) هي القواعد التي تصف حركة "الموائع" (Fluids) كالماء والهواء. كُتبت في القرن التاسع عشر، وعليها تقوم تصاميم أجنحة الطائرات ونشرات الطقس. تعمل المعادلات جيداً في الواقع، لكن أحداً لم يبرهن أنها تعمل في كل الظروف والسرعات. تخيل ماء في حوض تحركه يد من الخارج. وجوهر المسألة أن دوامة قد تتشكل فيه، تضيق وتشتد حتى تبلغ سرعة لانهائية في نقطة واحدة خلال وقت محدود، وقد لا تتشكل أبداً. هذا ما عجز علماء الرياضيات عن حسمه. إن حدث ذلك، تنهار المعادلات نفسها كما تنهار قوانين الفيزياء في قلب ثقب أسود. يسمي علماء الرياضيات هذا الانهيار "التفجر". عام 2000 اختار معهد كلاي للرياضيات (Clay Mathematics Institute) سبع مسائل سماها مسائل الألفية، ورصد لكل منها مليون دولار. لم تسقط منها حتى اليوم سوى واحدة، حلها الروسي غريغوري بيرلمان (Grigori Perelman) ورفض الجائزة. أما مسألة نافييه-ستوكس فهي تقبل الحل من بابين: أن تبرهن أن الماء يبقى هادئاً إلى الأبد، أو أن تبرهن أن الدوامة اللانهائية ممكنة. والباب الثاني يسمح بتلك اليد الخارجية، بشرط أن تكون ناعمة ويخبو أثرها مع الزمن والمسافة. أي أن استعمال اليد الخارجية ليس غشاً. لكن من اهتدى إلى هذه الطريق أولاً؟ شق الطريق أولاً إسبانيان هما دييغو كوردوبا (Diego Córdoba) ولويس مارتينيث-سوروا (Luis Martínez-Zoroa). عام 2023 أثبتا التفجر في معادلات أويلر، وهي نسخة مثالية من الماء بلا احتكاك. لكن "اليد" في برهانهما كانت خشنة ولا تستوفي شروط الجائزة. تشارلز فيفرمان (Charles Fefferman)، الذي صاغ المسألة لمعهد كلاي، وصفهما لاحقاً بأنهما بطلا القصة. التقط باكماستر وألبوغه فكرة زميليهما الإسبانيين وعملا على تطويرها. وفي رسالة تعود إلى أيلول 2025، توقع ألبوغه أن تكون نافييه-ستوكس أول مسائل الألفية سقوطاً، وأبدى خشيته من أن تنسب الشركات لنفسها أهم اكتشافات الرياضيات. عمل الرجلان قرابة عام واستعملا نماذج الذكاء الاصطناعي للكتابة والتدقيق. في 15 آب 2026 بلغا التفجر بيد ناعمة في معادلات أويلر. وفي 22 آب صادق عليه Lean، وهو مدقق آلي لا يقبل برهاناً إلا إذا صحت كل خطوة فيه. وكانت الخطوة التالية واضحة: إضافة الاحتكاك الذي يبطئ حركة الماء في الواقع، أي الانتقال من معادلات أويلر إلى معادلات نافييه-ستوكس نفسها. في 31 آب نشر ألبوغه تغريدة غامضة احتفى فيها بـ"آب العجيب"، ففسرت على أنها إشارة إلى أن "أنثروبيك" حلت مسألة من مسائل الألفية. في اليوم التالي أطلقت "أوبن إي آي" نموذجاً داخلياً لم يطرح للعموم بعد، ووجهته إلى حل المسائل المفتوحة. الشركة تعترف بذلك في بيانها: "بدأ جهدنا بعد شائعة أدركنا لاحقاً أنها تتعلق بألبوغه"! وقال سام ألتمان ذلك بوضوح أكبر: جربنا لأن شائعات قالت إن نماذج "أنثروبيك" حلت المسألة. ما تلا ذلك لا يشبه البحث العلمي. نحو 10 آلاف "وكيل" عملوا معاً 88 ساعة. تبادلوا 2.7 مليون رسالة، وكلفت العملية ملايين الدولارات. في 5 أيلول وصلوا إلى الحل، وفي اليوم التالي صادق عليه Lean. يروي باكماستر أن سيباستيان بوبيك (Sébastien Bubeck)، عالم الرياضيات في "أوبن إي آي"، عرض عليه في مكالمة أن يكون مؤلفاً للورقة، مع تحفظ على إدراج اسم ألبوغه لأنه موظف لدى شركة منافسة. ينفي بوبيك أنه أراد حذف ألبوغه من عمله الخاص، لكنه يقر بأن الأمر "كان سيكون أبسط" لو لم يكن موظفاً في "أنثروبيك". وحين لوح باكماستر بالنشر، سمع سؤالاً أشبه بالتهديد: لماذا تدمر مسيرتك المهنية؟ اعتذر بوبيك لاحقاً عن "سوء اختيار الكلمات". وعرضت الشركة أيضاً إعلاناً