بين السياسة والإعلام مساكنة افتراضية مُلزمة، يتعايشان أحياناً بهدوء ويتشاجران بخشونة أحياناً أخرى. تسطو الأولى بمخالب سلطتها على الثانية، وتُقيِّد حراكها إذا شاءت، لكن للسلطة الرابعة أنيابها المؤلمة التي تخترق دروع الحصون أيضاً، ولو بعد حين. تحاول السياسة أن تصنع الإعلام، لكن مُنتجها يبدو هجيناً، "صوفتهُ" حمراء، وعادةً ما يبني الرأي العام موقفه على عكس ما يقول إعلام السلطة الذي غالباً ما كان محلاً للسخرية. وتجربة الأنظمة الكلّية الغابرة دليلٌ دامغ. وكذلك الإعلام؛ فهو يصنع مقتلته بيده، عندما يبالغ في التوجيه والأدلجة، أو عندما ينحرف إلى امتهان صناعة تركيب الأخبار الواهية. لكن مع أي من الفرضيات المطروحة، يبقى للإعلام دورٌ أساسي، والقادة السياسيون على اختلافهم يعتبرون كسب أي معركة هي في كسب تعاطف الرأي العام. وتاريخ تأثير الإعلام على أنظمة الحكم، أو على رأي الحاكمين طويلٌ جداً، لأن الإعلام هو الوسيلة التي تصنع رؤية الجمهور ومشاعره، والرأي العام كان على الدوام مُهماً للحاكم، حتى إبّان مرحلة ما قبل الديمقراطية. و"تأليه" الحاكم في الأزمنة الغابرة كان صناعة إعلامية بالدرجة الأولى. ونابليون الثالث (1808 – 1870) قال: كرر الخطأ ثمَّ كرره ثم كررهُ، قد يصبح هو الحقيقة، وهو ما يتلاقى تقريباً مع ما قاله لاحقاً بول غوبلز وزير الدعاية النازي (1897 – 1945): اكذب ثم اكذب لا بد أن يعلق شيء منه في أذهان الناس. بينما الكاتب الإيرلندي الناقد برنارد شو (1856 – 1950) قال: "احذروا المعرفة الزائفة، فهي أخطر من الجهل" والإنسان بطبيعته عدوٌ لما يجهل. المقاربات المتناقضة تؤكد حقيقةً واحدة، وهي أن الإنسان يتأثر بما يسمع لا محالة، وليس لدى كل الناس مختبرات لفحصِ جناةِ الخبر. ومن هنا كان للرأي الآخر شأنٌ في بلورة المعرفة. تطور الإعلام ووسائله المتعددة فرض تغييراً كبيراً على واقع السلطة الرابعة، وساهم في التضليل غير المقصود من خلال الانفلاش الأفقي المُتفلِّت. ولكن هذا التطور ساعد في كبح جماح احتكار وسائل النشر والدعاية، بحيث أصبح كل مواطن إعلامياً، ولدى كل مواطن وسيلة إعلامية خاصة، وبدت مواقع التواصل غاباتِ بثٍّ فسيحة، لها بداية وليس لها نهاية، لكن ذلك لم يحلّ مشكلة احتكار الترويج، لأن البارعين في استخدام الإعلام لخدمة مصالحهم ابتكروا وسائل جديدة لاستثمار الفوضى، بحيث استبدلوا بعض الصفحات ببعض المُنشدين، ولعبت الشركات المالكة لوسائل التواصل دوراً في حجبِ مواقع بعض المُؤثرين، أو زيادة منسوب تأثير مواقع تفضيلية أخرى، ورغم كل ذلك بقي لوسائل الإعلام النزيهة والشفافة مصداقية وازنة، لم تقلِّل من شأنها كل المتغيرات. يؤثر الإعلام على القرار السياسي بواسطة جملة من العناصر، لعلَّ أبرزها كونه يطرح المشكلة ويعممها، ومن خلال هذا الإعلام يمكن تتبُع سير الأحداث والإضاءة عليها، وغالباً ما يرشد الإعلام إلى وسائل حلّ المشكلات. بالمقابل فالإعلام يُلقي الضوء على منجزات السياسيين، كما أنه يفضح تجاوزاتهم عند حصولها. وعلى أساس هذه المعطيات يتنبه الرأي العام للمحاسن كما للمخاشن. وفي هذه العملية المُعقدة مجموعة كبيرة من الأمور المرئية منها والمخفية، وأهمها وجود تخادم في بعض الأحيان بين الفريقين، أو وجود خصام نفعي يدفع بعض الحاكمين للاقتصاص من وسائل إعلامية، والعكس صحيح. من الواضح أن أهم شروط حضور التأثير الإعلامي وجود الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي، لكن هذه المفاهيم تبدو طوباوية أو مثالية، فهناك إعلام تُقيده القوانين أو الأوليغارشية السلطوية أحياناً، كما هناك إعلام يرفع شعارات العصرنة ويبدو بدائياً، وأيضاً هناك تضليل متعمَّد كما هناك تضليل يحصل من غير قصد. وخطر تصديق كل شيء كخطر عدم تصديق أي شيء، والوعي هو الفيصل الذي يجب أن يفصل بين المقاربات المُرتهنة والمقاربات المتحررة، واستخلاص الحقيقة يحتاج إلى عناء المتابعة، وجدار الفبركة ليس على ارتفاع شاهق، ولا يمكن له أن يحجب الضوء إذا ما طَلعَ بهيقُ الشمس. يبدو أننا أمام معادلة: قُل لي ماذا تقرأ، أقلْ لك مَن أنت، وأضيف: قُل لي ماذا تسمع، أقلْ لك مَن أنت. لكن العصرنة الإعلامية التي لم تتوضح معالمها كاملةً حتى الآن تفرض عليك سؤالاً يعقُب سماع أو قراءة أي خبر أو معلومة، وهو: من نشر الخبر؟ وما هي البراهين المُرفقة؟ وهل نشرته وسيلةٌ أخرى؟ وهل الصورة حديثة أم مفبركة؟ أو أنها قديمة ويستعاد استخدامها لغاية في نفس يعقوب؟ مهما يكُن من أمر، فإن دور الإعلام في صناعة القرار السياسي دامغٌ لا يمكن تجاهله. واختلاف الظروف أو المعطيات أو الأحداث لا يُقلِّل من شأن هذا التأثير. وعلى ذات النسق المذكور، يمكن توصيف حالة أصحاب القرار السياسي أو صانعيه، فمهما كانت خلفياتهم وتوجهاتهم، لا يمكن لهم تجاهل دور الإعلام، وتقييده أكثر ضرراً عليهم من انفلاتهِ. لك