تطاول الصعوبات التعلّمية المحدّدة نحو 20 في المئة من الأطفال في لبنان، وفق تقديرات المركز اللبناني للتعليم المختص "كليس". وبين عسر القراءة والكتابة والحساب، واضطرابات اللغة والتنسيق الحركي والانتباه، يواجه أطفال صعوبات لا تعني تدنّياً في الذكاء، لكنها قد تجعل التعلّم أكثر تعقيداً، خصوصاً في غياب التشخيص المبكر والدعم المناسب. وفي حالات كثيرة، لا تكمن المشكلة في قدرات الطفل، بل في عدم ملاءمة طرق التعليم لاحتياجاته، ما قد يدفعه إلى التراجع أو التهميش داخل الصفوف. تزداد أهمية التدخّل المبكر في مساعدة هؤلاء الأطفال على تطوير قدراتهم والتعلّم بطرق تناسب احتياجاتهم، بعيداً من الأحكام المسبقة التي قد تلاحقهم بسبب اختلافهم. وهي الرسالة التي حملها المركز اللبناني للتعليم المختص "كليس" إلى درج المتحف الوطني في بيروت، السبت، حيث حوّله إلى مسرح في الهواء الطلق، بالرقص والمسرح والموسيقى، احتفاءً بالنسخة الثانية عشرة من يوم الصعوبات التعلّمية المحدّدة بحضور وزير الثقافة غسان سلامة. تقول رئيسة المركز، كارمن شاهين دبانة، لـ"المدن"، إن نسبة الصعوبات التعلّمية ارتفعت خلال السنوات الماضية، مشيرةً إلى أن التدخّل المبكر يساعد الأطفال على التكيّف معها والنجاح. وتضيف أن الحرب وتداعياتها تشكّلان عاملاً إضافياً في لبنان، ما يجعل التدخّل النفسي مهماً إلى جانب الدعم التعلّمي. "هؤلاء الأطفال ليسوا أقلّ، بل مختلفون" تشرح شاهين دبّانة أن اختيار هذا اليوم يأتي للتذكير بأن لكل طفل الحق في التعلّم، مهما كانت الصعوبات التي يواجهها. وتوضح أن هذه الصعوبات تتخذ أشكالاً مختلفة، إذ يعاني بعض الأطفال من صعوبة في قراءة الأحرف والكلمات وكتابتها، فيما تتزاحم الأفكار لدى آخرين، ما يصعّب عليهم التركيز والتمييز. وهناك أطفال يجدون صعوبة في التعبير عن أفكارهم بالكلمات، وآخرون يواجهون تحديات في فهم الكميات والعمليات الحسابية. وتقول: "هناك أطفال يرون الأحرف والكلمات ويكتبونها بطريقة مختلفة، وأطفال تتزاحم أفكارهم، فيصعب عليهم التمييز والتركيز، وأطفال لا تعبّر كلماتهم عن أفكارهم، وآخرون يجدون صعوبة في فهم الكميات والحساب.. هؤلاء الأطفال ليسوا أقلّ، بل مختلفون". هذا الاختلاف هو ما يسعى المركز إلى شرحه للأهل، ولا سيما عندما يصعب عليهم تقبّل أن طفلهم يواجه صعوبة تعلّمية، أو عندما لا يعرفون كيفية التعامل معها. وتؤكد دبانة أن دور "كليس" لا يقتصر على تشخيص الصعوبة والعمل مع الطفل، بل يشمل أيضاً مساعدة الأهل على فهم أن ابنهم يتمتع بالذكاء، لكنه يحتاج إلى التعلّم بطريقة مختلفة. فالتشخيص، في هذا السياق، ليس حكماً على قدرات الطفل، بل خطوة لفهم احتياجاته وتحديد الطريقة المناسبة لمساعدته. وكلما جاء التدخّل مبكراً، ازدادت فرص الطفل في تطوير قدراته وتحقيق النجاح، بدلاً من أن تتحوّل الصعوبة إلى مصدر للإحباط أو سبب لتهميشه داخل المدرسة. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل الظروف التي يعيشها لبنان، حيث تتقاطع الصعوبات التعلّمية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتداعيات الحرب. فإلى جانب الدعم التعلّمي، قد يحتاج الأطفال إلى مساندة نفسية تساعدهم على التعامل مع آثار الظروف المحيطة بهم، فيما تحتاج أسرهم إلى التوجيه لفهم الصعوبات التي يواجهها أبناؤهم والتعامل معها. من خلال احتفالية "10.10.DYS"، لا يكتفي "كليس" بتعريف الجمهور إلى الصعوبات التعلّمية، بل يسعى إلى تقديم صورة مختلفة عن الأطفال الذين يواجهونها. فعلى درج المتحف الوطني، شارك الأطفال في عروض تجمع الرقص والمسرح والموسيقى، في مساحة مشتركة يصعب فيها بالضرورة تمييز من يواجه صعوبة تعلّمية ممن لا يواجهها. وتقول شاهين دبانة لـ "المدن" إن الرسالة التي أراد المركز إيصالها هي أن الأطفال يستطيعون الاندماج والعمل معاً، وإن الموسيقى والحركة تؤديان دوراً مهماً في هذا المسار. فالمطلوب ليس التعامل مع الاختلاف بوصفه عائقاً، بل فهمه وتقبّله، والعمل على توفير الفرص التي تسمح لكل طفل بتحقيق أقصى إمكاناته. وتلخّص رسالة المركز بالقول: "رسالتنا في كليس بسيطة: ألّا نترك أي طفل على الهامش، وألّا نترك أي طفل يواجه صعوباته وحده، بل أن نساعده على تحقيق أقصى إمكاناته، مهما كانت قدراته. عندما نعلّم أطفالنا فهم الاختلاف وتقبّله واحترامه، لا نبني مدرسة أفضل فحسب، بل نساهم في بناء مجتمع أكثر عدالة ووطن أقرب إلى السلام". بهذا المعنى، تتجاوز رسالة الاحتفالية حدود المدرسة والتشخيص والعلاج، لتطرح سؤالاً عن الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع الاختلاف، وعن مسؤولية المؤسسات التربوية والأسر في ضمان حق الأطفال في التعلّم والمشاركة، من دون إقصاء أو تمييز. فالاندماج لا يتحقق بمجرد وجود الأطفال في المكان نفسه، بل بتوفير بيئة تتقبّل احتياجاتهم وتمنحهم فرصاً متكافئة للتعبير