شغل فوز الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، الوسط الثقافي. بعد القسم الأول، هنا القسم الثاني من الفسبكات. قالت العرب (من يطلب الولاية لا يولّى) وقد فتح ادونيس بيوتا وابوابا وتوافد لترجمة شعره الى اللغات الاخرى بما فيها لغة نوبل، والحال ان شعر ادونيس الفصيح يحتاج الى ترجمة الى العربية، فهو شاعر قرر ان يبتعد عن قارئه العربي العادي غير المتفلسف منذ البداية، وتعتبر قصيدته "الوقت" قصيدة واضحة ومباشرة بين مجمل انتاجه الشعري الغزيز، ولم يقترب موسيقي عربي واحد من شعره بهدف تلحينه، وهذا اختيار يعرفه ادونيس وأحبّاؤه، او لم يستطع تجاوزه، واما جائزة نوبل للاداب، فقد يفوز بها ادونيس في قادم الاعوام، علما وان عدد الشعراء الدين تنوبلوا منذ اكثر من قرن هو عدد ضئيل مقارنة باهل الرواية، والكل يذكر ان بعض الشعراء العرب اوحوا في تصريحاتهم الى ان فوز نجيب محفوظ كان بسبب انتماء ادبه الى فن الرواية الاوروبي … ثم ان هذه الجائزة قد تجاوزت اسماء روائية كثيرة وكبيرة في لغات اخرى غير العربية ، وتبقى نوبل جائزة مالية قادرة على اغتيال الفقر والديون واشباع طمع اهل الأديب بعد رحيله فهي لا تأتي الا متأخرة، مثل دعوة الى العشاء في منتصف الليل. قرأت قصائد ونصوصًا كثيرة لآن كارلسون الفائزة بـ"نوبل الآداب" منقولة إلى العربية، وخرجتُ منها خروج السباح من لُجّ البحر، لا قطرة عالقةٌ بجلده، ولا أثرٌ للملح في قلبه. هل حدث لك كما حدث لي؟ آن كارسون Anne Carson هي أديبة وشاعرة كندية، فازت بجائزة نوبل للآداب للعام 2026 فيما يبقى غياب أسماء عربية كبرى سؤالاً مفتوحًا: أين أدونيس، الذي ظل اسمه حاضرًا في ترشيحات الجائزة لعقود؟ وأين محمود درويش، الذي بلغ شعره من النضج والفرادة ما يجعله واحدًا من أبرز من كان يمكن أن يحملوا نوبل إلى الشعر العربي؟ درويش الذي رفض نوبل لكونها جائزة لها شروطها الخاصة. درويش لم يكن مجرد شاعر قضية، بل شاعر أعاد تشكيل اللغة، وكتب الحب والمنفى والوجود والموت بوصفها أسئلة إنسانية كبرى. وأدونيس بدوره صاحب مشروع شعري وفكري غيّر الكثير في مسار القصيدة العربية الحديثة. ومع ذلك، فالجائزة لها شروطها ومعاييرها واعتباراتها الخاصة، وهي ليست مقياسًا نهائيًّا لقيمة الشاعر أو الكاتب أو مكانته. قد تغيب نوبل عن درويش وأدونيس، لكن ذلك لا يجعل غيابهما الأدبي أقل حضورًا؛ فالجائزة تختار من تمنحه إياها، أما التاريخ الأدبي فله معاييره الأوسع. من الملاحظ ميل جائزة نوبل في الأدب في السنوات الأخيرة إلى تجارب أدبية شديدة البعد عن توقعات جمهور القراء، الذين ما زالوا يتوقعون فوز الكُتّاب أصحاب الأعمال التي تطمح إلى تقديم سرديات كبرى، وتؤسس عوالم جديدة، وتؤرخ لمجتمعاتها وعصرها، أو تحاول تلخيص العالم أو تؤسس عوالم أدبية كاملة جديدة. لكن الجائزة تميل في سنواتها الأخيرة إلى الاحتفاء بكُتّاب تقوم أعمالهم الأدبية على تجارب إنسانية شديدة الخصوصية، وأيضا محدودة المساحة التي يتحرك فيها الكاتب، سواء من حيث الشخصيات أو الأحداث أو المكان أو التجربة الإنسانية التي يتناولها. وربما لولا نوبل لما التفت إليها كثيرون. قرأت للفائزين في السنوات الفائتة: آني إرنو، ويون فوسه، وهان كانغ. لم أقرأ لآن كارسون، الكاتبة الكندية التي فازت بجائزة نوبل هذا العام ٢٠٢٦، لكنني قرأت عنها. تقوم أعمال الفرنسية آني إرنو في الأساس على استعادة التجربة الشخصية والجسد والذاكرة في أعمال قصيرة، وتدور أعمال النرويجي يون فوسه في عوالم من شخصيات قليلة يغلب عليها الصمت والتكرار والوحدة والتأمل، والكورية هان كانغ لا تختلف عوالم أعمالها كثيرًا عن عالميهما، وربما نضيف إليها الشاعرية ومسحة وجودية. أما آن كارسون الفائزة هذا العام، فقد قالت الأكاديمية السويدية عنها: «تقديرًا لمجمل أعمالها الجريئة والمبتكرة، التي استطاعت، عبر حوار إبداعي طريف مع التراث الكلاسيكي، أن تبتكر أشكالًا جديدة للأدب المعاصر». أما من حيث عدد صفحات أعمال هؤلاء الكُتّاب الأربعة، فقد طلبت من الذكاء الاصطناعي حساب متوسط عدد صفحات عينة من أعمالهم، فتراوحت النتائج بين 126 صفحة لآني إرنو، و176 صفحة لآن كارسون، و228 صفحة لهان كانغ، ونحو 200 صفحة ليون فوسه، باستثناء روايته «السباعية»، التي يصل عدد صفحاتها في بعض طبعاتها إلى 872 صفحة. ما زالت جائزة نوبل للأدب في أذهاننا ترتبط بماركيز وهمنغواي وتوماس مان ونجيب محفوظ وكامو، من حيث المنجز الأدبي الكبير، والطموح لتقديم سرديات كبرى عبر موضوعات تسعى إلى التعبير عن الإنسانية كلها وتحولاتها وحروبها (ونجح بعضها بالفعل في ذلك) تقول حيثيات منح نوبل لألبير كامو، مثلًا: «لإنتاجه الأدبي المهم، الذي ينير بجدية وبصيرة نافذة مشكلات الضمير الإنساني في عصرنا». وعن سارتر، الذي رفض الجائزة: «لعمله الغني بالأفكار والمفعم بروح