على إيقاع عدوانٍ إسرائيليّ متواصل، ومفاوضاتٍ عسكريّة يحيط الغموض بموعد استئنافها، يدخل لبنان مرحلةً تتّسع فيها الهوّة بين المسارات الدبلوماسيّة والوقائع الميدانيّة. فإسرائيل تُواصل تثبيت احتلالها وفرض معادلاتها الأمنيّة في الجنوب، فيما تربط واشنطن إعادة الإعمار بنزع سلاح "حزب الله"، وتتقدّم مساعٍ أوروبيّة لتشكيل بعثةٍ أمنيّة وتدريبيّة تُثير طبيعة مهامّها تساؤلاتٍ سياسيّة. وفي الداخل، يستمرّ الجمود بانتظار استحقاقاتٍ إقليميّة ودوليّة، وسط تبايناتٍ في مقاربة التفاوض مع إسرائيل، واقتراب الحزب من صرف مساعداتٍ للنازحين. وفي مفارقةٍ لافتة، فتحت الإدارة الأميركيّة نافذةً إيجابيّة في علاقاتها مع بيروت، بإلغاء القيود القانونيّة على الرحلات الجوّيّة المباشرة، في وقتٍ لا تزال فيه التسوية السياسيّة والأمنيّة بعيدة المنال. لم يُحسم بعد مصير جولة المفاوضات العسكريّة المرتقبة بين لبنان وإسرائيل في فلوريدا، فيما لم يحمل السفير الأميركيّ لدى لبنان، ميشال عيسى، أيّ جديد بشأن موعد انعقادها. وفي هذا السياق، قالت مصادر رسميّة لـ"المدن" إنّ لبنان لم يتبلّغ إلغاء الجولة، لكنّه لم يتلقَّ في المقابل تأكيدًا نهائيًّا لموعدها. في حين أبلغت مصادر سياسيّة معنيّة "المدن" أنّ الجلسة يُفترض أن تبقى قائمةً في العشرين من تشرين الأوّل الجاري، استنادًا إلى أنّ الجيش اللبنانيّ، الذي تبلّغ ضرورة الاستعداد لها، لم يتلقَّ أيّ إشعارٍ بإلغائها، ولا يزال يتعامل معها على أنّها ستُعقد في موعدها. وبحسب المصادر، فإنّ الجلسة، في حال انعقادها، ستكون تقنيّةً بالدرجة الأولى، ومخصّصةً للبحث في المناطق التجريبيّة ومراجعة التطوّرات التي شهدتها ساحة الجنوب منذ الجولة التفاوضيّة الأخيرة، من دون توقّعاتٍ بتحقيق اختراقٍ جوهريّ في ملفَّي وقف العدوان وجدولة الانسحاب الإسرائيليّ. ويأتي هذا الغموض في ظلّ ترقّبٍ إقليميّ ودوليّ يرتبط بتطوّرات الوضع في اليمن، والانتخابات التشريعيّة الإسرائيليّة في 27 تشرين الأوّل، وانتخابات التجديد النصفيّ الأميركيّة في الثالث من تشرين الثاني المقبل، وهي استحقاقاتٌ تُلقي بظلالها على الحسابات السياسيّة ومواعيد التحرّك الدبلوماسيّ. وتزداد تعقيدات المسار التفاوضيّ مع إصرار تل أبيب على ربط انسحابها بنزع سلاح "حزب الله"، بالتوازي مع تعزيز وجودها العسكريّ في الجنوب، وتثبيت مواقعها، وشقّ الطرق التي تُسهّل تحرّك دبّاباتها وتوغّلها داخل الأراضي اللبنانيّة. وهي خطواتٌ تطرح تساؤلاتٍ بشأن ما إذا كانت المفاوضات ستُفضي إلى انسحابٍ فعليّ، أم ستمنح إسرائيل وقتًا إضافيًّا لترسيخ المنطقة الأمنيّة التي تعمل على فرضها. كالاس تكشف مهامّ البعثة الأوروبيّة وفي موازاة الحراك الأميركيّ، بقيت زيارة الممثّلة العليا للاتّحاد الأوروبيّ للشؤون الخارجيّة والسياسة الأمنيّة، كايا كالاس، إلى لبنان موضع اهتمامٍ سياسيّ، بالنظر إلى ما نُقل عن لقاءاتها غير المعلنة مع جهاتٍ سياسيّة ونيابيّة نافذة. وفي معلومات "المدن"، فإنّ كالاس بحثت مع هذه الجهات طبيعة البعثة الأوروبيّة المزمع إرسالها إلى لبنان الشهر المقبل، ووضعتها في تفاصيل مهامّها الاستشاريّة والتدريبيّة لمصلحة الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة. ولم تتردّد في القول صراحةً إنّ من بين أهداف البعثة تدريب الجيش على سحب سلاح "حزب الله"، وهو طرحٌ أثار صدمةً لدى الجهة السياسيّة التي استقبلتها، بالنظر إلى حساسيّة الملفّ وتعقيداته الداخليّة. واللافت أنّ كالاس قصدت هذه الجهة طلبًا لضماناتٍ سياسيّة وأمنيّة تتيح لعناصر البعثة العمل في لبنان، ما يُشير إلى مسعى أوروبيّ لتأمين غطاءٍ سياسيّ أوسع للمهمّة، يتجاوز الموافقات الرسميّة. وتسبق هذه التحرّكات الاجتماع المقرّر لوزراء خارجيّة الاتّحاد الأوروبيّ في لوكسمبورغ، يوم الإثنين المقبل، والمتوقّع أن يشهد إقرار إنشاء البعثة، التي تتمثّل مهمّتها المعلنة في تقديم المشورة والخبرات والتدريب للجيش وقوى الأمن الداخليّ، لتعزيز قدرات الدولة في ضبط الحدود والأمن الداخليّ وبسط سلطتها على أراضيها. وكان مشروع القرار قد أُدرج في المسار التحضيريّ لمجلس الاتّحاد الأوروبيّ يومَي 8 و9 تشرين الأوّل الجاري، بعدما منح مجلس الوزراء اللبنانيّ موافقته المبدئيّة على إنشاء البعثة بناءً على كتاب وزير الخارجيّة يوسف رجّي. غير أنّ المعلومات المتعلّقة بلقاءات كالاس تفتح نقاشًا بشأن حدود الدور الأوروبيّ المرتقب، ولا سيّما الفارق بين المهمّة التقنيّة المعلنة والانخراط، ولو من خلال التدريب والمشورة، في ملفّ السلاح الذي يُشكّل أحد أبرز عناوين الانقسام السياسيّ اللبنانيّ. جمودٌ سياسيّ وتقاربٌ بين برّي وسلام وعلى مستوى السياسة الداخليّة، بقي الجمود سيّد الموقف، وإن كان يُسجَّل تقاربٌ بين الرئاستَين الثانية والثالثة، وتنسيقٌ بين رئيس