مساء الإثنين 28 أيلول/سبتمبر الماضي، طرقت قوات الأمن باب منزل الصحافي محمد أشرف أبو عميرة، وقبل أن يطلع فجر اليوم التالي كان زميله عبد الله قدري قد لحق به. توالت المداهمات طوال يوم الثلاثاء، فاقتيد إسلام بركات من منزله في الغربية، وعمر هلال من بيته في بورسعيد، فيما أُوقف محمد محمود ومحمد عادل في شوارع القاهرة. وبانتهاء اليومين كان فريق تحرير منصة "متصدقش" بأكمله، ستة صحافيين، رهن الاحتجاز في أماكن مجهولة، بعدما صودرت هواتفهم وحواسيبهم الشخصية، وتعرضت متعلقات إحدى الأسر للتخريب أثناء التفتيش. ظلت السلطات صامتة أكثر من يومين، ثم خرج بيان وزارة الداخلية، الخميس في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، ليعلن احتجاز الستة، ويصف المنصة بأنها كيان غير مرخص يُدار من الخارج ويبث محتوى مغلوطاً يستهدف زعزعة الاستقرار، مع ربطها ومؤسِّسها عبد الرحمن منصور بجماعة الإخوان المسلمين. وحرص البيان على الإشارة إلى أن واحداً فقط من المحتجزين مسجل في نقابة الصحافيين، وهي إشارة تحمل دلالتها الخاصة حول الجهة التي تملك منح صفة الصحافي والجهة التي تملك نزعها. تبدو المفارقة واضحة لمن تابع مسيرة المنصة منذ تأسيسها العام 2018 على يد الصحافي الراحل محمد أبو الغيط؛ إذ كرّست سنواتها الثماني لتفنيد الشائعات والمعلومات المضللة، ومن بينها مئات الادعاءات التي روجتها منابر وشخصيات محسوبة على جماعة الإخوان نفسها. وهكذا تجد منصة تدقيق الحقائق نفسها في مواجهة التهمة ذاتها التي أفنت عمرها المهني في التصدي لها. ولا بد من التذكير بأن الصحافي محمد أبو الغيط، الذي رحل أواخر العام 2022 بعد صراع مع السرطان، عمل في "التلفزيون العربي" وكتب أيضاً في "المدن"، ونال جوائز عربية ودولية عديدة عن إنجازه تحقيقات استقصائية في أصعب الملفات، لا سيما في سوريا ومصر. وكان تأسيسه لموقع "ما تصدقش" خلاصة تجربته الصحافية القائمة على الدقة والمصداقية. غير أن قراءة الواقعة بمعزل عن سياقها تُفقدها معناها الأعمق. فما جرى لفريق "متصدقش" يمثل حلقة جديدة في سلسلة بدأت صيف 2013، حين أعادت السلطة الجديدة تعريف علاقتها بالإعلام انطلاقاً من منظور أمني خالص، يرى في الكلمة المستقلة خطراً محتملاً يستوجب الرصد والاحتواء. فمع إعلان جماعة الإخوان، تنظيماً إرهابياً في كانون الأول/ديسمبر 2013، اكتسبت تهمة "الانضمام إلى جماعة إرهابية" مرونة استثنائية جعلتها قالباً جاهزاً يتسع لكل صوت يغرد خارج السرب. وسرعان ما اختبر الصحافيون هذا القالب؛ فالمصور محمود أبو زيد الشهير بـ"شوكان" اعتُقل أثناء تغطيته فض "اعتصام رابعة"، وقضى نحو خمس سنوات خلف القضبان، بينما واجه صحافيو قناة الجزيرة الإنجليزية محاكمة استقطبت أنظار العالم. إحكام القبضة على الفضاء الرقمي تولّت الترسانة التشريعية بعد ذلك تثبيت هذا المنظور وإكسابه غطاءً قانونياً. فقانون مكافحة الإرهاب الصادر في 2015، فرض غرامات باهظة على نشر أرقام أو بيانات تخالف الرواية الرسمية للعمليات الأمنية، ثم جاءت قوانين تنظيم الصحافة والإعلام العام 2018 لتمنح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام صلاحيات واسعة في الحجب والمنع، وتُخضع الحسابات الشخصية التي يتجاوز متابعوها الخمسة آلاف لأحكام الوسائل الإعلامية. بالتوازي مع التشريع، اتجهت الدولة إلى إحكام قبضتها على الفضاء الرقمي، فانطلقت منذ أيار/مايو 2017 موجة حجب طاولت مواقع إخبارية بارزة على رأسها "مدى مصر"، حتى بلغ عدد المواقع المحجوبة نحو 600 موقع محلي ودولي. أما على صعيد الملكية، فقد انتقلت صحف وقنوات كبرى تباعاً إلى كيانات مرتبطة بأجهزة سيادية، أبرزها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، لتتقلص المسافة بين المالك والرقيب حتى تكاد تتلاشى. كما تبقى ليلة 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 علامة فارقة في هذا المسار، حين اقتحمت قوات أمن بملابس مدنية مقر "مدى مصر" في القاهرة، واحتجزت رئيسة تحريره لينا عطا الله، والصحافيين محمد حمامة ورنا ممدوح، لساعات داخل المقر قبل اقتيادهم إلى قسم الشرطة، وذلك بعد يوم واحد من القبض على المحرر شادي زلط من منزله. جاءت المداهمة عقب نشر الموقع تقريراً عن نقل محمود السيسي، نجل الرئيس، إلى موقع دبلوماسي في موسكو، لترسم ملامح المعادلة بوضوح، حيث كل اقتراب من دوائر السلطة العليا يقابله رد أمني مباشر يطاول المؤسسة ذاتها. وفي قلب هذه المنظومة تقف نيابة أمن الدولة العليا، وأداتها الأبرز متثملةً بالحبس الاحتياطي. تبدأ الحكاية عادة بقرار حبس 15 يوماً، يتجدد المرة تلو الأخرى حتى يقترب من الحد الأقصى المقرر قانوناً بعامين، وحين يلوح الإفراج في الأفق، يظهر الصحافي متهماً في قضية جديدة بالاتهامات نفسها، في ممارسة باتت تُعرف بـ"التدوير". وقد أمضت الصحافية صفاء الكوربيجي عامين كاملين رهن الحبس الاحتياطي قبل إخلاء سبيلها في شباط/فبراير