تواجه الحكومة العراقية اختباراً معقداً في مساعيها لحصر السلاح بيد الدولة، بعد إعلان 5 فصائل موافقتها على تسليم أسلحتها، من بينها وحدات حماية سنجار، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاس أي تصعيد جديد بين إيران والولايات المتحدة على الساحة العراقية، ولا سيما مع طلب طهران من حلفائها الاستعداد لتحرك منسق في حال تجدد المواجهة. وتضع هذه التطورات الفصائل الموالية لإيران أمام معادلة أكثر حساسية، إذ قد تصبح ضمن بنك الأهداف الإسرائيلية في حال انخراطها في أي مواجهة دعماً لطهران، بينما تسعى بغداد إلى معالجة الملف سياسياً وأمنياً لتجنيب العراق الانزلاق إلى صراع إقليمي جديد. ويرى محللون أن الحسابات الإسرائيلية لم تعد مرتبطة حصراً بأسماء الفصائل، بقدر ما تركز على قدراتها العسكرية المستقلة ومخازن أسلحتها وسلاسل قيادتها وإمكان تنفيذها هجمات من داخل الأراضي العراقية من دون موافقة الحكومة. وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي علي الحبيب إن التقديرات والإجراءات العراقية الأخيرة لم تتغير، مشيراً إلى أنه، وفق المعلومات المتاحة، لم تظهر أي توثيقات إسرائيلية جديدة، ومرجحاً أن تكون إسرائيل قد أعادت ترتيب أولوياتها في ما يتعلق بالعراق. وأوضح الحبيب، في حديث إلى "إرم نيوز"، أن وضع خارطة طريق لنزع السلاح، إلى جانب التحرك الذي يقوده رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في هذا الملف، وتحديد 30 حزيران موعداً لقبول الفصائل تسليم سلاحها، جعل التركيز الإسرائيلي أقل ارتباطاً بأسماء الفصائل وأكثر ارتباطاً باستمرار امتلاكها قدرات عسكرية مستقلة. وأضاف أن قبول الفصائل إخضاع سلاحها لسلطة الدولة، بالتوازي مع النهج السياسي الذي يتبعه الزيدي لكسبها وتجنب الدخول في مواجهة مباشرة معها، قد يُنظر إليه أميركياً وإسرائيلياً على أنه خطوة باتجاه نزع السلاح بصورة متكاملة، ولا سيما إذا جرى دمج مخازن الأسلحة والقدرات العسكرية لبعض الفصائل في مؤسسات الدولة. ورجح الحبيب أن تحظى الفصائل التي لا تزال تحتفظ بقدرات هجومية مستقلة، أو ترفض المسار الحكومي، باهتمام أكبر في الحسابات الإسرائيلية من تلك التي انضمت إلى البرنامج الحكومي أو أبدت استعدادها للانضمام إليه. وأشار إلى أن ملف الانسحاب الأميركي نوقش بين الزيدي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وربط بملف نزع السلاح، كما جرى بحثه ضمن أدوات الضغط السياسية والاقتصادية التي تمارسها واشنطن على حكومة بغداد. واعتبر الحبيب أن العامل الأكثر خطورة يبقى مرتبطاً بطهران، التي طلبت من حلفائها الاستعداد لتحرك منسق في حال تجدد التصعيد الأميركي ضدها، لافتاً إلى أن ارتباط بعض الفصائل بإيران قد يضعها ضمن بنك الأهداف الإسرائيلية إذا تحركت لمصلحة طهران. وأضاف أن هذا الاحتمال يدفع الحكومة العراقية إلى تسريع مساعيها لمنع تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لأي صراع خارجي. من جهته، قال المحلل السياسي غانم العابد إن الحكومة العراقية لا تزال تتفاوض مع الفصائل المسلحة، مؤكداً أن 5 فصائل أعلنت رسمياً موافقتها على حصر السلاح بيد الدولة، من بينها وحدات حماية سنجار التي وافقت على تسليم سلاحها والانضمام إلى الأجهزة الأمنية الرسمية. وأوضح العابد، في حديث إلى "إرم نيوز"، أن مدى التزام هذه الفصائل بمواقفها سيخضع لاختبار فعلي إذا تجدد الصراع الأميركي – الإيراني، خصوصاً في ما يتعلق بإمكان مشاركتها دفاعاً عن المصالح الإيرانية، وهو ما سيحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة أو إسرائيل ستتجهان إلى استهداف مقارها. وأشار إلى أن الفصائل المسلحة غيّرت مقارها المعروفة وانتقلت إلى مواقع بديلة خشية تعرضها للاستهداف، لافتاً إلى أن مصيرها يبقى مرتبطاً إلى حد كبير بمسار العلاقة بين إيران والولايات المتحدة والتطورات التي قد تطرأ عليها. وأكد أن الحكومة العراقية تواصل التفاوض مع قادة تلك الفصائل، موضحاً أن بعضهم وافق مباشرة على تسليم سلاحه، فيما لا يزال آخرون يناقشون مع الحكومة الضمانات المتعلقة بعدم ملاحقتهم أو محاسبتهم بعد التسليم، في ظل اتهامات تطال عدداً منهم بارتكاب جرائم حرب، من بينها "الإبادة الجماعية والاغتيالات وسرقة المال العام والسيطرة على موارد الدولة النفطية وتهريب النفط ". وبين ضغوط واشنطن، وحسابات إسرائيل، وارتباط بعض الفصائل بطهران، تبقى فعالية مسار حصر السلاح بيد الدولة مرهونة بقدرة الحكومة العراقية على استكمال هذا الملف ومنع تحول العراق إلى ساحة مواجهة إقليمية جديدة.