"قانون الإعلام الجديد في لبنان جيّد ولكنه يحتاج إلى تعديل فوري"... هذه الجملة أجمع عليها صحافيون وناشطون وبرلمانيون ومتابعون لقطاع الإعلام، فبعد سنوات طويلة من النقاش والتعديلات أُقر القانون، وفُتحت مرحلة مختلفة في تنظيم القطاع الصحافي، فوضع ضمانات لحماية الصحافيين وحرية التعبير، لكنه طرح في المقابل أسئلة عن حدود صلاحيات الهيئة الوطنية الناظمة للإعلام، ومدى استقلاليتها عن السلطة السياسية، وقدرتها على تنظيم القطاع من دون التحول إلى جهة رقابية تهدد حريته. النائب بلال عبدالله أوضح لـ"النهار" أن القانون يشكل خطوة ضرورية لحماية حرية التعبير من التدخل السياسي، وأكد الصحافي والباحث في مؤسسة "مهارات" بلال ياسين لـ"النهار" أن القانون الجديد يتضمن إصلاحات متقدمة على المستوى اللبناني والإقليمي، لكن مدير تحرير جريدة "النهار" غسان حجار حذّر من أن تتحول الهيئة الناظمة للقانون الجديد إلى ما يشبه المحكمة التي تحاسب المؤسسات الإعلامية وتعاقبها. وعلى الرغم من اختلاف مقارباتهم، يلتقي الثلاثة عند أهمية القانون، فيما تتباين آراؤهم بشأن الثغرات التي لا تزال تحتاج إلى معالجة والضمانات المطلوبة لتطبيقه. كيف اختير أعضاء الهيئة الوطنية للإعلام؟ كانت آلية تشكيل الهيئة من أكثر النقاط إثارة للنقاش خلال دراسة القانون. ووفق الصيغة التي أُقرت، تتألف الهيئة من عشرة أعضاء، ينتخب سبعة منهم مباشرة من الجهات المحددة في القانون، فيما يعيّن مجلس الوزراء ثلاثة أعضاء من بين أسماء مرشحة. والنائب عبدالله، عضو لجنة الإدارة والعدل ومقررها، كان من النواب الذين شاركوا في مناقشة اقتراح قانون الإعلام والمواد المرتبطة بإنشاء الهيئة الوطنية للإعلام وتحديد صلاحياتها وآلية تشكيلها. وخلال النقاشات النيابية، برزت مسألة استقلالية الهيئة كإحدى القضايا الأساسية، ولا سيما لجهة كيفية اختيار أعضائها وضمان عدم تدخل السلطة السياسية في عملها. وأظهرت محاضر لجنة الإدارة والعدل تعدد الآراء حول آلية الانتخاب والتعيين، قبل اعتماد صيغة تقضي بانتخاب سبعة أعضاء ورفع أسماء مرشحين إلى مجلس الوزراء لاختيار ثلاثة منهم. هذا المسار أثار بدوره نقاشاً حول مدى قدرة آلية الانتخاب والتعيين على إنتاج هيئة مستقلة فعلاً، ولا سيما في ظل مشاركة السلطة التنفيذية في تعيين ثلاثة أعضاء. الاستقلالية المالية والإدارية: الاختبار الأصعب لا تقتصر استقلالية الهيئة الوطنية الإعلام على طريقة اختيار أعضائها. فالسؤال الأهم هو: هل تملك الهيئة استقلالية مالية وإدارية فعلية تمكنها من ممارسة صلاحياتها بعيداً عن السلطة السياسية؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن القانون يمنح الهيئة دوراً تنظيمياً واسعاً في القطاع، من متابعة ملكية المؤسسات الإعلامية ومصادر تمويلها إلى وضع القواعد التنظيمية ومراقبة الالتزام بأحكام القانون. وهنا تظهر مفارقة أساسية: كلما اتسعت صلاحيات الهيئة، ازدادت الحاجة إلى ضمان استقلاليتها وآليات مساءلتها في الوقت نفسه. ماذا تقول تجارب الهيئات المستقلة في لبنان؟ لا تأتي هذه المخاوف من فراغ. فالتجربة اللبنانية مع الهيئات المستقلة تطرح دائماً سؤال الفارق بين الاستقلالية القانونية والاستقلالية الفعلية. تُطرح تجربة الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان مثالاً على الإشكالية نفسها: قد تكون الهيئة مستقلة وفق النص القانوني، لكن استقلاليتها العملية تبقى مرتبطة بطريقة تعيين أعضائها وقدرتها على العمل بعيداً عن تأثير المؤسسات السياسية والإدارية.الأمر نفسه يبرز في تجربة الهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين قسراً، التي تتمتع باستقلالية قانونية، لكنها تحتاج عملياً إلى تعاون مؤسسات الدولة وأجهزتها للقيام بجزء أساسي من مهامها. الهيئة الوطنية للإعلام: استقلالية في النص أم في الممارسة؟ وهنا يصبح السؤال أوسع من قانون الإعلام نفسه: هل تكفي الاستقلالية التي ينص عليها القانون، أم أن الاستقلالية الحقيقية تحتاج إلى ضمانات مالية وإدارية ومؤسساتية تحول دون التبعية لأي سلطة أخرى؟ إن استقلالية الهيئة الوطنية للإعلام تبقى محوراً أساسياً في تقييم القانون. فالنص، وفق ياسين، يمنح الهيئة الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وينص على انتخاب سبعة من أعضائها العشرة من الهيئات المهنية المعنية، لولاية مدتها ست سنوات غير قابلة للتجديد، كما لا يجيز لمجلس الوزراء حلها أو تعليق عملها. لكن ياسين يميز بين الاستقلالية التي ينص عليها القانون وتلك التي يمكن أن تتحقق عملياً، معتبراً أن الاختبار الحقيقي يكمن في تشكيل الهيئة ومباشرتها مهامها وقدرتها على ممارسة صلاحياتها باستقلالية فعلية. من جهته، أكد عبدالله أن الهيئة ستكون مستقلة في قراراتها، وأن دور الدولة ينبغي أن يقوم على الشراكة والمسؤولية الإعلامية، لا على التدخل في حرية الرأي والتعبير. وأشار أيضاً إ