يدخل الملف اللبناني إعادة هيكلة شاملة لقواعد اللعبة السياسية والأمنية. وفيما يواجه لبنان الرسمي انسدادًا هيكليًّا في خياراته، تبدو إسرائيل وكأنها تُسرّع عملية "ترتيب المسرح" قبل الدخول في أيّ استحقاقات تفاوضية أو ترتيبات دولية جديدة. وهي تستفيد من مظلّة ضغط أميركية غير مسبوقة تضع لبنان أمام اختبار الجدّية في ملفّ التعاطي مع سلاح حزب الله. ويبدو واضحًا أنّ التأجيل المتكرّر لموعد جلسة المفاوضات الثامنة، في روما، يعكس قرارًا إسرائيليًّا واعيًا بترحيل المسار السياسي حتى فرض أمر واقع جديد على الأرض. وعلى الأرجح، تتّجه إسرائيل إلى تعديل خطوط التماس، بالسيطرة على نقاط حيوية، أبرزها مرتفعات علي الطاهر والأنفاق المحيطة بها، لانتزاع تنازلات سياسية مُسبقة في ملفّات الحدود والرقابة والتحقّق. ولكن، بدلًا من الهجوم الشامل، الذي قد يفجّر مواجهة إقليمية مع طهران أو يثير غضب واشنطن، تعتمد في علي الطاهر أسلوب العمليات المحدودة والمركّزة، أي الغارات والقصف والنسف والتجريف، بهدف تحويل المنطقة الحدودية إلى أرض محروقة وشريط "عازل" و"معزول". وتُظهر القراءة الجديدة للخطاب الأميركي أنّ واشنطن لم تعد تؤدّي دور "الوسيط المحايد"، بل انتقلت إلى موقع "الموجّه الذي يفرض الشروط". وهذا ما أضعف أوراق المناورة لدى الدولة اللبنانية. وعلى الرغم من تحرّكات المؤسّسة العسكرية نحو العواصم الأوروبية والعربية لحشد المساعدات، فإنّ الدعم الدولي لم يتجاوز الحدود الدنيا لدعم الجيش كمؤسّسة. وإذ اختصرت واشنطن موقفها بربط الاستقرار والأمن وشرعية الدولة ببدء خطوات ملموسة لنزع سلاح حزب الله، فإنّ هذا الموقف يعني أنّ الشراكة الأميركية مع بيروت باتت تحت سقف اختبار الأداء، لا الدعم المفتوح. ويقف لبنان الرسمي أمام خيار معقّد في مجلس الأمن، في ملفّ ما بعد "اليونيفيل". فالرفض الأميركي للتمديد، وسعي إسرائيل إلى إلغاء الوساطات الدولية، يضعان لبنان أمام الانكشاف. فالبحث عن صيغ بديلة، كالقوات الأوروبية أو المظلّة الدولية الشبيهة باليونيفيل، يصطدم بالفيتو الإسرائيلي، في ظلّ إصرار تل أبيب على التنسيق المباشر والآليات الثنائية. ولذلك، سيكون انتهاء مهمّات القوّة الدولية بمثابة تهديد بجعل الجنوب اللبناني رهينة دائمة للنار الإسرائيلية. وفيما تواصل القوات الإسرائيلية عمليات التوغّل والنسف والجرف في القرى الجنوبية، ومناورات الخنق البطيء حول علي الطاهر، تجد السلطة اللبنانية نفسها أمام مساحة ضيّقة جدًّا للمناورة، بين الضغوط الأميركية الداعية إلى إحداث خرق جدّي في ملفّ السلاح، والواقع الميداني الذي يُنذر بتآكل الجنوب، قطعة تلو أخرى. لا يبدو غياب الموعد الرسمي للجولة الثامنة من المفاوضات مجرّد تعثّر تقني أو خلاف على جدول الأعمال. فالتأجيل نفسه أصبح جزءًا من إدارة الصراع. إسرائيل لا تغلق باب التفاوض، كي لا تظهر في موقع الرافض للحلّ السياسي، لكنّها لا تسمح بانطلاقه قبل تحسين موقعها الميداني. وبين الموعد المؤجّل والموعد البديل، تعمل آلتها العسكرية على تغيير الأرض التي يُفترض أن يجري التفاوض عليها. بهذا المعنى، لا يدور الصراع الآن حول مضمون التسوية فحسب، بل حول الخريطة التي ستُعتمد نقطة انطلاق لها. وكلّ موقع تتقدّم إليه إسرائيل، وكلّ مرتفع تثبّت سيطرتها عليه، يتحوّلان إلى ورقة تفاوضية إضافية. وعندما تبدأ المفاوضات، لن تناقش إسرائيل مبدأ انسحابها فقط، بل ستحاول مقايضة حجم الانسحاب بشروط تتعلّق بالسلاح والرقابة والحدود وحرية الحركة. وهنا تكمن خطورة الانتظار اللبناني. فالدولة تتصرّف وفق إيقاع دبلوماسي بطيء، فيما تتحرّك إسرائيل وفق إيقاع عسكري سريع. وما يُناقش في الغرف المغلقة بوصفه ترتيبًا أمنيًّا محتملًا، يُنفّذ على الأرض بوصفه واقعًا مفروضًا. لا تُختصر أهمّية مرتفعات علي الطاهر بقيمتها العسكرية المباشرة. فالسيطرة عليها تمنح إسرائيل قدرة على الإشراف الناري والبصري على نطاق واسع، وتتيح لها ربط عدد من محاور التقدّم في الجنوب. لذلك، لا يمكن فصل الغارات الكثيفة والنسف والتجريف في محيطها عن محاولة إعدادها لتكون عقدة ارتكاز داخل شريط أمني أوسع. وتقوم الاستراتيجية الإسرائيلية على السيطرة بالنار قبل الانتشار الدائم. فلا حاجة إلى احتلال كلّ قرية ما دام في الإمكان منع أهلها من العودة، وتدمير طرقها ومنازلها وبناها الأساسية، وإبقاؤها ضمن مدى الرصد والقصف. بذلك، تتحوّل القرى المحيطة بالنقاط المحتلّة إلى امتدادات أمنية لها، حتى في غياب الجنود الإسرائيليين عنها. هذا ما تمنحه عمليات التوغّل والنسف في المنصوري ومجدل زون والقنطرة وزوطر الغربية دلالتها السياسية. فالعمليات لا تستهدف منشآت عسكرية مفترضة فحسب، بل تعيد تشكيل المجال العمراني والبشري. المطلوب إنتاج جنوب يصعب السكن فيه، وتصبح عودة أهله إليه مكلفة ومحفوفة