على الرغم من وجود كلمة "شعر" على غلاف كتاب "الشمس كلها في وجهي" ليوسف بزي (منشورات رياض الريس -2026) تراني وقد انشددتُ أكثر إلى شذرات الحكايا التي يبثّها هذا الكتاب، تراني وقد كنت أثناء انكبابي على الكتاب محلّ إقبال شديد على شتات قصص وأخبار وذكريات ترى الكلمات حيالها في حيرة ومجون. فإذا كانت الكلمات في بعض المتون أشبه بالحرير – كما جاء في "الشمس كلها في وجهي" – فإن كلمات شمس يوسف بزي هي أقرب إلى غسيل منشور فوق سقف منزل مهجور. ليس على قارئ هذا الكتاب أن يلملم أطراف الشجاعة للجهر بما يكتنف الكتاب من يأس وأسى وفقدان. ذلك أن ثمة صراحة ما انفكّ يوسف بزي يجاهر بها حيال تطرقه لهذه المشاعر، وذلك عبر عبارات تتجاوز محض القصيدة لتكون بمثابة شهود عيان، عبارات تحدّق ملياً بالمتلقي وتسوقه في دروبها الوعرة. فأن تكون العاصمة، على سبيل المثال لا الحصر، مجرد "زجاج محطّم" في حضرة "إصبع مسموم" فنحن عندئذ إزاء ترسيخ لتاريخ ليس بالبعيد، حيث بيروت سبعة أيار وذلك اليوم المجيد. أكثر ما تشي به عبارات يوسف في "الشمس كلها في وجهي" هو توطيد العلاقة بعمق بين الخيبة والآمال المفترضة، بين التفاؤل وبحر التشاؤم وصولاً إلى توطيد العلاقة بين واقع مرتجى واستحالة تحقيقه بإطلاق. وليست خيبة يوسف في هذا السياق كما صوّرها عبر الكلمات في هذا الكتاب إلا تكثيفاً لخيبات الآلاف من اللبنانيين. وإذا ما كنت سأجاري يوسف بأن ما يبثّنا إياه في هذا الكتاب هو شعر، فإن مجاراتي عندئذ تنبع من عبارة وردتْ في إحدى قصائد الكتاب..."لا يُكتب الشعر عن الأمور الضحلة"، ومن النافل أن فقدان الأمل بعامة ليس بالأمر الضحل على الإطلاق. فالشعر هنا أقرب إلى مرثية تضجّ بعلياء الصوت عبر كتم الأنفاس. في كتاب "الزمن أطلالاً" يتكلم الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجيه عن "المدينة التي تفلت منا مع مرور الأيام والسنين"، وهي عبارة تراها وقد لازمتني بشدة منذ الصفحات الأولى من كتاب يوسف. فبين ذاكرة مقاهي بيروت النابضة بالشعر والانفتاح على كل دروب العالم من جهة وذلك "الفطر الرمادي العملاق فوق بيروت" من جهة أخرى اختصر يوسف رحلة تدحرج بيروت من الويمبي وما شاكل من مقاه ونبض بالحياة إلى قاع "الرايات الصفراء التي وحدها تنمو في الربيع الدموي". إنها رحلة السقوط الجهنمي حيث أبد الحروب والانتصارات وحيث تلك "العداوات المتعفنة في الأكباد"، والتي ترى في الحد الأدنى من ترف العيش والأمان مؤامرة على قدسية مشروعها. على الرغم من وضوح شمس يوسف بزي في "الشمس كلها في وجهي" فإن يوسف وعبر عدسة شديدة الدقة والتحايل تراه يعطي قارئه فرصة أن يكون مؤتمن على أسرار بعض الكلمات، على أسرار بعض العبارات وعلى أسرار بعض الصور. فأن يُختصر كل المشي لأن يكون مجرد مشي في "وادي الظلال" وأن تُنبش كل الجوارير باستثناء "جارور الذكريات..." وأن يُدفع بالشجرة لأن "تنصاع للشظية"، فإن للقارئ من ثم ملأ الحرية في فعل الائتمان على الأسرار أو فضحها.لست أدري إذا ما كان يوسف قد أراد عبر شمسه أن يخفف من وطأة الوضع الذي قد آلت إليه الأمور في هذه البقعة المتشجنة والتي تدعى لبنان، بيد أن اختصار السعادة في هذا البلد المعذب "بخزان مياه ممتلئ وتيار كهربائي" تسوق – هذه السعادة – المرء إلى كل أسباب الضنك وفقدان الأمل ومن ثَمَّ الاكتفاء بالحقيقة التالية كما بثها يوسف حرفياً في كتابه: "الدولة كلها في سيارة إسعاف". فمن آمال 17 تشرين حول المستقبل الزاهر وصولاً إلى مساءلة ذلك "الأبله الذي ينتظر المستقبل" نحن حيال شمعة منطفئة في غرفة يعمّها الظلام حيث تلك "الموتوسيكلات الجهادية" وتلك "العيون الضخمة التي لا تحتاج إلى الوجوه" فوق أحد الأوتوسترادات وصولاً إلى حفر قبور الأسلاف والقطط في مدينة بنت جبيل ورفع العلم الإسرائيلي فوق تلك القلعة الحزينة ثم اختراق الأنفاق الهشة عبر عيون العدو الغوّارة. على الرغم من تلك الشمس المتوهجة والشديدة السطوع والتي تلفع غلاف الكتاب فإن متون هذا الكتاب تلفع المتلقّي بحقيقة عارية، حقيقة تلك العتمة الصفراء والتي لا خلاص منها. لا يدفع يوسف بزي، بصريح العبارة وبيانها، لأن يروّض هذا المتلقي مزاجه مع محض العتمة إنما قراءة هذا العمل تغذي كل سبل الارتياب حيال الحاضر والمستقبل فضلاً عن ضبابية الماضي الذي لم يزوّدنا نحن أبناء هذا البلد إلا بذلك "الأرق العبقري واللئيم، جلاد الجفون" هذا. يغيب عن بالي اسم الناقد الذي كتب أن الشعر يساعد الآخرين على الإفلات من الاختناق وتراني على ضوء "الشمس كلها في وجهي" أستذكر هذه العبارة وقد رسمتْ ابتسامة السخرية ملامحي بقوة. فما قد بثّنا إياه يوسف من شعر في هذا الكتاب يدفع إلى الركون إلى اختناق لا بد منه، اختناق شرس تارة وحميم تارة أخرى ...اختناق صريح في بعض المقاطع واختناق متوار خلف مجازات رائعة في مقاطع أخرى. أغلق كتاب يوس