في الأيام الأخيرة من عهد محمد رضا بهلوي، حمل الوجود الإيراني في لبنان مفارقة تاريخية لافتة. فإيران الشاه، الحليف الوثيق للولايات المتحدة وصاحبة العلاقات الأمنية السرية مع إسرائيل، كانت ترفع علم الأمم المتحدة فوق مواقع عسكرية في جنوب لبنان، بين قرى أنهكتها الحرب الأهلية وطرق تتقاطع فيها تحركات الفصائل الفلسطينية والقوات الإسرائيلية والجماعات اللبنانية المسلحة. هناك، قرب نهر الليطاني، خدم نحو ستمائة جندي إيراني ضمن التشكيل الأول لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، اليونيفيل. ولم تمض سوى أشهر حتى انهار النظام الذي أرسلهم، وأصبح هؤلاء الجنود جزءاً من فصل قصير يكاد يكون منسياً في تاريخ العلاقات الإيرانية اللبنانية. لم تكن المشاركة الإيرانية مجرد مهمة عسكرية روتينية. فقد نظر نظام الشاه إلى لبنان باعتباره ساحة نفوذ عربية مهمة، ومركزاً للإعلام والمعارضة الإيرانية، وموقعاً مناسباً لمراقبة النشاط الفلسطيني والعراقي والسوري. لذلك اجتمع في الكتيبة الإيرانية وجهان متداخلان، وجه رسمي معلن يعمل تحت قيادة الأمم المتحدة، ووجه سياسي أوسع يرتبط بحسابات طهران الإقليمية ونشاط أجهزتها الأمنية في لبنان. إنها واقعة تكشف وجهاً منسياً للعلاقة بين إيران ولبنان، حضور عسكري سبق الجمهورية الإسلامية وحزب الله، واختلف جذرياً عن النفوذ الإيراني الذي ظهر بعد الثورة. من عملية الليطاني إلى جسر القاسمية بدأت الحكاية في مارس/آذار 1978، عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان في العملية التي أطلقت عليها اسم عملية الليطاني. جاءت العملية بعد هجوم نفذته مجموعة فلسطينية داخل إسرائيل، لكنها سرعان ما تحولت إلى اجتياح واسع دفع أعداداً كبيرة من السكان اللبنانيين إلى النزوح، وأدخل الجنوب في مرحلة جديدة من الصراع المفتوح. في 19 مارس أصدر مجلس الأمن القرارين 425 و426، ودعا إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية، كما قرر إنشاء اليونيفيل. حددت للقوة ثلاث مهمات أساسية، التأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية، والمساعدة على استعادة السلم والأمن الدوليين، ومساندة الحكومة اللبنانية في إعادة بسط سلطتها الفعلية على الجنوب. ووصلت طلائع القوة إلى لبنان في 23 مارس، بحسب الرواية الرسمية لليونيفيل. كانت الحاجة إلى الانتشار سريعة، فلم تنتظر الأمم المتحدة وصول جميع الكتائب الجديدة. استعانت مؤقتاً بوحدات كانت تخدم في بعثات أخرى في المنطقة، ومن بينها سرية إيرانية معززة قوامها 73 عسكرياً نقلت من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان، المعروفة باسم أندوف. وضعت السرية الإيرانية في القطاع الأوسط، عند منطقة جسر القاسمية على نهر الليطاني. ولم يكن اختيار الموقع اعتباطياً، فالجسر كان ممراً حيوياً إلى منطقة العمليات، والسيطرة على المعابر كانت ضرورية لمراقبة حركة المسلحين والأسلحة ومنع الاحتكاك بين القوات المتقابلة. ومع قرار توسيع اليونيفيل من أربعة آلاف إلى نحو ستة آلاف عنصر، وصلت كتيبة إيرانية كاملة في الأيام الأولى من يونيو/حزيران 1978. حلت الكتيبة محل السرية المؤقتة وانتشرت جنوب الليطاني، قرب جسر القاسمية، بينما اتخذت من بلدة قلاوية مقرا لقيادتها في الجزء الشمالي من القطاع الأوسط الغربي. وبحلول سبتمبر/أيلول، كان قوام الوحدة الإيرانية 599 عسكرياً من أصل 5931 عنصراً في اليونيفيل، وفق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة . وبذلك أصبحت إيران واحدة من الدول الرئيسية المساهمة بقوات المشاة في التشكيل الأول للقوة الدولية. كان إرسال الكتيبة منسجما مع تصور الشاه لدور إيران الإقليمي. فطهران البهلوية لم تكن ترى نفسها دولة محصورة في حدودها، بل قوة قادرة على التدخل في محيطها وتقديم نفسها شريكاً مسؤولاً للنظام الدولي. وقد سبق لإيران أن شاركت بقوات في بعثات أممية أخرى، الأمر الذي جعل إرسال وحدة إلى لبنان امتداداً طبيعياً لسياستها العسكرية والدبلوماسية. عملت الكتيبة الإيرانية ضمن قيادة اليونيفيل. شملت مهماتها مراقبة الطرق والمعابر، وإقامة نقاط ثابتة وحواجز، وتسيير الدوريات، ومنع دخول الأفراد المسلحين والأسلحة إلى منطقة انتشار القوة الدولية. وتشير التقارير الأممية إلى مشاركة عناصر إيرانية، إلى جانب وحدات سنغالية وفرنسية وسويدية، في تسلم بعض المواقع التي أخلتها القوات الإسرائيلية خلال المرحلة الثالثة من الانسحاب، في أبريل/نيسان 1978. لكن عبارة حفظ السلام كانت أكبر من الإمكانات المتاحة على الأرض. ففي المرحلة الأخيرة من الانسحاب الإسرائيلي، يوم يونيو/حزيران، لم تسلم معظم المواقع المخلاة إلى اليونيفيل، بل إلى جيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد والمدعوم من إسرائيل. وهكذا وجدت القوة الدولية نفسها في مساحة مضطربة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها من جهة، وقوات حداد وإسرائيل من جهة أخرى، فيما كانت