كلما تحرك ملف في لبنان، يأتي الجواب جاهزاً: هذا لا يكفي. تعيينات في المؤسسات؟ نريد الكهرباء. انتخابات بلدية؟ نريد خدمات. تحريك المرافئ والمطارات؟ نريد ودائعنا. فتح أبواب التعاون والاستثمار؟ نريد أن نعيش. فالمواطن الذي يدفع فاتورتين للكهرباء لا يستطيع أن يقيس التحسن بعدد الاجتماعات، والمودع الذي حُرم من أمواله لا يعيش على الوعود، وأهل القرى المدمّرة يحتاجون إلى بيوت يعودون إليها وإلى أمن يحميهم من خسارتها مرة أخرى. لكن أولوية هذه المطالب لا تعني أن كل خطوة تمهيدية بلا قيمة. فهناك فرق بين القول إن الإنجازات لا تكفي، وهو صحيح، والقول إن شيئاً لم يُنجز، وهو غير دقيق. والتمييز بين الأمرين ضروري لنقاش يطالب بالنتائج من دون أن ينكر ما يمكن البناء عليه. منذ تشكيلها، تعمل الحكومة اللبنانية وسط أزمة تتداخل فيها المؤسسات المعطلة، والخسائر المالية، والدمار، والاحتلال، والسلاح الخارج عن سلطة الدولة. وهي مطالبة في الوقت نفسه بمعالجة الحاجات اليومية وإعادة بناء أدوات العمل التي فقدتها الدولة خلال سنوات الانهيار. هذه الظروف لا تعفيها من المسؤولية، لكنها تفسّر بطء التقدم وتعقيد بعض الملفات. فالدولة لا تستطيع تحسين الخدمات أو حماية الحقوق من دون إدارة فاعلة وقرارات قابلة للتنفيذ. في هذا الإطار، عادت مواقع أساسية في المؤسسات إلى العمل عبر تعيينات عسكرية وأمنية وقضائية ومالية، وأُجريت الانتخابات البلدية بعد تأجيلات متكررة. كما تحركت تشريعات مالية طال انتظارها، وأصبح حصر السلاح سياسة حكومية معلنة تتحمل المؤسسات مسؤولية تنفيذها. هذه ليست نتائج نهائية، لكنها شروط للوصول إليها. فالتعيين يجب أن ينتج أداءً، والقانون يجب أن يحمي الحقوق، والقرار السيادي يجب أن يُنفذ. والاعتراف بهذه الخطوات لا يعفي المسؤولين من محاسبتهم على ما يليها. والتحسن لا يقتصر على الملفات الكبرى. ففي «النافعة»، بدأ توسيع إمكان إنجاز معاملات عبر «ليبان بوست»، من تجديد رخص السوق ونقل الملكية إلى معاملات إضافية، بما يخفف الحاجة إلى مراجعة مراكز الهيئة ويوفر الوقت والجهد على المواطنين. قد تبدو هذه تفصيلاً صغيراً أمام أزمة الكهرباء والودائع، لكنها تعني شيئاً لمن كان يضيّع أياماً لإنجاز معاملة. وتبسيط الإجراءات جزء من تحسين الخدمات، شرط استكماله بالمكننة والرقابة، ومنع انتقال التعقيد والسمسرة من باب إلى آخر. وفي مطار رفيق الحريري الدولي، هناك عمل على تعزيز التفتيش والرقابة وضبط الأمن داخل الحرم وفي محيطه، بالتوازي مع متابعة انتظام الخدمات وحركة المسافرين. وهذه مسؤولية تتشارك فيها قيادة جهاز أمن المطار والأجهزة والإدارات المعنية، تحت إشراف السلطات المختصة. أهمية هذا المسار تتصل بطريقة إدارة المرفق نفسه: تعزيز وحدة القيادة والتنسيق بين الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام والجمارك، مع احترام اختصاص كل جهاز. فالمطار يحتاج إلى مرجعية واضحة في حماية المنشأة والتعامل مع الحوادث، وإلى تعاون يمنع تضارب الإجراءات وضياع المسؤولية. كلما أصبح القرار الأمني أكثر انتظاماً، والرقابة أكثر فاعلية، ازدادت قدرة الدولة على حماية المسافرين وضبط المعبر وبناء الثقة به. وهذه الثقة شرط لاستعادة حركة الطيران والاستثمار، وليست مجرد تفصيل إداري. أما مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، فظل سنوات عنواناً يتكرر في الخطابات والوعود. واليوم دخل مشروع إعادة تشغيله مرحلة متقدمة، وأعلنت الحكومة الخامس عشر من تشرين الثاني موعداً لأول رحلة تجارية، مع إعلان جدول الرحلات وفتح الحجوزات في مطلع الشهر المقبل. ويبقى الالتزام بهذا الموعد الاختبار الحقيقي للحكومة. قد ينشّط المشروع اقتصاد عكار والشمال، ويسهّل السفر، ويفتح فرص عمل وخدمات حول المطار. لكن هذه الفوائد تحتاج إلى تشغيل منتظم وحسن إدارة وقدرة على الاستمرار. وفي العلاقة مع الولايات المتحدة، أُزيلت قيود رئاسية على النقل الجوي استمرت عقوداً، بما يمهّد لاستئناف الرحلات المباشرة. فالرحلات لم تبدأ تلقائياً، ولا يزال تشغيلها يحتاج إلى الإجراءات والموافقات المطلوبة وقرارات شركات الطيران. لكن إزالة هذا الحاجز خطوة فعلية تفتح باباً كان مغلقاً. وفي البحر أيضاً، أُنجز ملف له أهمية سيادية واقتصادية: توقيع اتفاق ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وقبرص في تشرين الثاني 2025، ودخوله حيز التنفيذ في شباط 2026. وهذا يوضح الحدود والحقوق البحرية، ويفتح مجالاً أوسع للتعاون واستكشاف الموارد، من دون أن يعني ضمان العثور على ثروات أو تحقيق إيرادات فورية. ثم جاء انضمام مرفأي بيروت وطرابلس إلى نادي موانئ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، عبر توقيع الإعلان المشترك في نيودلهي. تمنح هذه المشاركة لبنان فرصة لتعزيز التعاون التجاري واللوجستي، وتحتاج إلى مشاريع و