استعاد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، عشية ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والأستاذ عباس بدر الدين، مواقف الصدر من قضية الجنوب ودور الدولة، رابطًا بين تحذيراته التاريخية من تحوّل الجنوب إلى ساحة لصراعات الآخرين، والواقع الذي يعيشه اللبنانيون اليوم في ظلّ الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية واستمرار الخلاف الداخلي حول قرار الحرب والسلم. وقال سلام إنّ الإمام الصدر حمل قضية الجنوب من عاصمة إلى أخرى، محذّرًا من أن يبقى ساحة لصراعات تتجاوزه، ومذكّرًا بقوله: "وجنوب لبنان وحده دفع الثمن". وأشار إلى أنّ الصدر رفض واقعًا يتحمّل فيه الجنوبيون أعباء المواجهة والحرب، فيما تُتّخذ القرارات في أماكن أخرى. ولفت سلام إلى أنّ جولة الإمام الصدر العربية الأخيرة انطلقت من الدفاع عن الجنوب، وعن لبنان الذي أراده سيّدًا على أرضه، وقادرًا، بدولته ومؤسّساته، على حماية أبنائه. ومن أجل هذه القضية، توجّه إلى ليبيا قبل أن يُغيّب مع رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والأستاذ عباس بدر الدين. ويكتسب استحضار سلام لهذه المحطّة دلالة سياسية تتجاوز إحياء الذكرى. فهو يعيد وضع قضية الجنوب ضمن معادلة الدولة والسيادة، ويقابل بين لبنان الذي نادى به الإمام الصدر، وبين واقع تُدفع فيه البلاد مرّة تلو أخرى إلى حروب لا تملك مؤسّساتها قرار بدئها أو إنهائها. وأكّد سلام أنّ الجنوب لن يُترك وحده، وأنّ أهله لن يكونوا مجدّدًا من يدفع ثمن صراعات الآخرين وقراراتهم. وقال: "عهدنا أن يبقى الجنوبي في أرضه، وأن يعود من هُجّر منها إلى بيته وقريته آمنًا مكرّمًا، وألّا يبقى الجنوب ساحة مفتوحة لحروب لا يقرّرها اللبنانيون ودولتهم". ويضع هذا الموقف حماية الجنوبيين وحقّهم في العودة في صلب مسؤولية الدولة، لا بوصفهما ملفًّا إنسانيًّا منفصلًا، بل جزءًا من استعادة السيادة. فبقاء الأهالي في أرضهم لا يتحقّق بالشعارات، بل بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وإنهاء الاحتلال، وإعادة الإعمار، وتثبيت حضور المؤسّسات الرسمية في القرى والبلدات المتضرّرة. الدولة وحدها تقرّر الحرب والسلم وشدّد رئيس الحكومة على أنّ الدولة التي طالب الإمام الصدر بحضورها في الجنوب يجب أن تصبح حاضرة بالفعل، "بجيشها ومؤسّساتها وخدماتها وإنمائها"، وأن تحمي أرضها وأهلها، وتمتلك وحدها قرار الحرب والسلم. وقال سلام إنّ مسؤولية الحكومة تتمثّل في العمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف اعتداءاته، وإعادة إعمار ما دُمّر، وتأمين عودة الجنوبيين إلى قراهم، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها. وبذلك، ربط سلام بين مسألتين غالبًا ما يجري الفصل بينهما في الخطاب السياسي اللبناني: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة. فالسيادة، وفق المعادلة التي طرحها، لا تكتمل في ظلّ احتلال جزء من الأراضي اللبنانية أو استمرار استباحتها، كما لا تكتمل إذا بقي القرار الأمني والعسكري خارج المؤسّسات الشرعية. رسالة مزدوجة إلى إسرائيل والداخل يحمل كلام سلام رسالة مباشرة إلى إسرائيل بأنّ الاعتداءات والاحتلال يشكّلان انتهاكًا للسيادة اللبنانية، وبأنّ الدولة متمسّكة باستعادة أرضها وإعادة أهل الجنوب إليها. لكنه يحمل، في الوقت نفسه، رسالة إلى الداخل مفادها أنّ حماية الجنوب لا تنفصل عن استعادة الدولة قرارها، وأنّ رفض الاحتلال لا يمكن أن يشكّل مبرّرًا لاستمرار تعدّد مراكز القرار العسكري. واختصر سلام موقفه بالقول: "لقد أراد الإمام موسى الصدر جنوبًا لا يُتخلّى عنه، ولبنانًا لا يُتخلّى فيه عن الدولة. وهذه، اليوم، مسؤوليتنا وعهدنا". وفي هذه الخلاصة، يستعيد رئيس الحكومة إرث الإمام الصدر لا بوصفه رمزًا لطائفة أو منطقة، بل بوصفه مدخلًا إلى تثبيت معادلة سياسية واضحة: جنوب تحميه الدولة ولا يُترك للاحتلال، ودولة تستعيد الجنوب ولا تتخلّى عن حقّها الحصري في السيادة وقرار الحرب والسلم.