في فيلمه "الحديث عن الأشجار"، يتتبع صهيب الباري محاولة أربعة مخرجين سودانيين متقاعدين لإعادة إحياء قاعة عرض سينمائي صيفية في مدينة أم درمان. وكان الفيلم الوثائقي-الخيالي بمثابة نبوءة عن عودة السينما السودانية، وفي عنوانه نبوءة ثانية أكثر مأسوية، فالعنوان المقتبس من قصيدة "إلى الأجيال القادمة" لبريخت يحذرنا من أن "الحديث عن الأشجار يوشك أن يكون جريمة... لأنه يعني الصمت على جرائم أكثر هولاً". فمع اندلاع الحرب الأهلية في السودان، كيف يمكننا الحديث عن السينما؟ تأتي المخرجة السودانية الروسية "سوزانا ميرغني" بفيلمها "ملكة القطن" لتضيف إلى رصيد السينما السودانية المتراكم منذ العام 2019، ولتسجل باسمها أول فيلم درامي طويل لمخرجة سودانية، وهو الأمر الذي تتردّد بشأنه في حواراتها الإعلامية، حيث أشارت أكثر من مرة إلى احتمالية أن تكون هناك من سبقتها في هذا. التاريخ في فيلمها أيضاً على نفس الدرجة من اللايقين. يدور "ملكة القطن" في قرية سودانية وادعة، تعيش بين حقول القطن، ونتابع المراهقة نفيسة التي تنشأ على سرديات مناهضة الاستعمار التي ترويها جدتها "الست". تحيط بالجدة عدة أساطير متناقضة، فينسب لها أنها قتلت قائداً عسكرياً بريطانياً، وأخرى أنها سممت مئة جندي بمئة نقطة من دمها، وأكثر القصص واقعية أنها أشعلت ثورة ضد الاستعمار حين رفضت وهي طفلة سوء المعاملة التي لاقتها خلال العمل بالسخرة في حقول القطن. لكن نفيسة تكتشف لاحقاً قصة مغايرة تماماً بشأن ماضيها. يتحطم عالم نفيسة الأسطوري، المحاط بالتمائم والسحر والحب العذري، مع وصول "البيزنس مان"، نادر، رجل الأعمال الشاب والعائد من لندن بمشروع للقطن المعدل وراثياً، وببذوره العاقر التي لا تعيد إنتاج نفسها. وفي أمثولة عن سودان مع بعد الاستعمار، يسكن نادر في القصر الذي سكنه المستعمرون في الماضي. وتتسابق عائلات القرية في إغوائه للزواج بواحدة من بناتهم وتضمين حقولهم في مشاريعه "التنموية". تقع نفيسة في وسط صراع بين والديها الراغبين في تزويجها من رجل الأعمال وجدتها التي تنفر منه وترغب في تزويجها من آخر، بينما يهمل الجميع رغباتها. بين المنام والصحو، يظهر لها ملاك، طفل بأجنحة سوداء، وتسأله ساخرة إن كان هو كيوبيد، ويريد هو بسخرية أبعد: كيوبيد ممنوع في السودان! بالإضافة إلى لمسة السخرية اللاذعة في الفيلم، ثمة أثر واضح للواقعية السحرية حيث يتداخل الواقع البسيط مع التقاليد والغيبيات وسلطة الجدة الروحية والتواريخ المصطنعة. وبالعموم، يبدو أن هناك ميلاً في الآداب والسينما السودانية المعاصرة نحو ذلك القالب الفني، من روايات حمور زيادة إلى فيلم "ستموت في العشرين" لأمجد أبو العلا (وهو مقتبس عن قصة قصيرة لزيادة)، بل وحتى أفلام عن السودان لمخرجين غير سودانيين، مثل فيلم "السد" للبناني علي شري. ويمكن أيضاً عقد مقارنة بين "ملكة القطن" وأشهر الكلاسيكيات الروائية للواقعية السحرية، رواية "مئة عام من العزلة" لماركيز، تذكرنا قرية القطن ببلدة "ماكوندو" المتخيلة، وفي صياغة مفهوم "الاستعمار الجديد"، تتشابه شركة الموز الأميركية في الرواية والتي تتغلغل في ماكوندو وتسيطر عليها مع مشروع نادر الخاص ببذور القطن المعدلة وراثياً. ولعل ذلك الميل السحري، يتعلق بهشاشة المجتمعات المهمشة والتي لا تجد لديها سوى الغيبي للمقاومة، وأيضاً ربما يعود ذلك التشابه مع كلاسيكيات الواقعية السحرية اللاتينية إلى رغبة مخرجة الفيلم -مثلها مثل الكثير من مبدعي الجنوب العالمي- في إنتاج أعمال فنية هي أمثولات وطنية في الوقت ذاته. يتبدى ذلك الطموح، الأكبر من اللازم أحياناً، في التيمات الواسعة التي يشتبك معها "ملكة القطن"، وهو ينطلق من التاريخ الكولونيالي للسودان والاستعمار الجديد، ويشمل ختان الإناث ومحاور نسوية وبيئية وضد رأسمالية. أثقل الطموح الكبير إيقاع الفيلم وبالأخص في ثلثه الأخير، لكن ولحسن الحظ، سمحت السحرية بمعالجة موضوعاته السياسية الكثيرة، بأكثر الطرق رهافة، دون شعاراتية أو مباشرة.