تقف منظومة الصحة النفسية في عالمنا العربي أمام اختبار إنساني وهيكلي حرج، فبينما تتصاعد التوعية والدعوات إلى كسر الوصمة الاجتماعية يصطدم الواقع بفجوة ضخمة بين الحاجة المتزايدة والموارد المتاحة. وفي بلد مثل لبنان، تتجلّى الأزمة بوضوح: نسب انتحار، تحدّيات ضخمة تُقابلها جمعيات أهلية، مبادرات رزحت تحت وطأة قوائم انتظار طويلة، ضغوط لا تُطاق وأفراد يُحرمون الرعاية لأنَّ تكلفة الجلسات تتجاوز قدرتهم المادية. خلف هذه الأرقام أرواح نخشى أن نفقدها واضطرابات تُؤكّد الدراسات تفاقمها، ما يجعل التدخّل والدعم ضرورة حتمية لا تتحمل التأجيل، فالهدف الأسمى هو ألّا نُخاطر بحياة أيّ شخص لِيحصل الجميع على العلاج المُستحقّ. في المقابل تبرز التجربة الإماراتية نموذجاً يعتمد على الحوكمة الصارمة، الرقابة الحكومية وتوسيع التغطية التأمينية لإدارة القطاع وضمان وصول الخدمة إلى أكبر عدد ممكن. الدعم النفسي جزء من الرعاية الصحية (Pexels) الواقع المهني والرقابي للصحة النفسية في الإمارات تُسلّط الدكتورة تريز ورد، المحلّلة النفسية والأستاذة الجامعية السابقة، الضوء على واقع ممارسة مهنة الصحة النفسية في دولة الإمارات، واصفةً إيّاه بأنه "نظام يُبنى بالدرجة الأولى على التنظيم الحازم والاشراف المباشر من مؤسّسات الدولة". فخلافاً للنموذج اللّبناني الذي يعتمد أساساً على النقابات المهنية في إدارة القطاع، تندرج هذه المسؤولية حصراً من ضمن صلاحيات الهيئات الصحية الحكومية التي تفرض شروطاً صارمة لمنح إذن مزاولة المهنة. وتوضح أنَّ "ممارسة المهن النفسية في الإمارات تخضع لرقابة صحية دقيقة تبدأ من التحقّق من المؤهّلات الأكاديمية والمهنية عبر نظام "DataFlow" الذي يشمل التدقيق في الشهادات والرجوع إلى الجامعات والمؤسّسات التعليمية المانحة لها". وبعد استكمال الاجراءات، تُصدر الجهة الصحية المختصّة إذن الممارسة. لا يزال الترخيص موزّعاً بحسب الإمارة، إذ تمنح هيئة الصحة في دبي "DHA" تراخيص الممارسة، فيما تتولّى جهات صحية أخرى ذلك في أبوظبي، الشارقة والعين، وسط مساعٍ لتوحيدها لم تُستكمل بعد، ما قد يتطلّب من بعض الاختصاصيين أكثر من إذن بحسب نطاق عملهم. وتستشهد الدكتورة ورد بتجربتها، إذ خضع ملفها لدى هيئة الصحة لتدقيق استغرق نحو شهرين إلى ثلاثة أشهر قبل منحها الترخيص الذي يُجدَّد كلّ سنتين شرط استيفاء متطلّبات التطوّر المهني المستمر من مؤتمرات، برامج علمية واعتمادات محدّدة. وترى أنَّ "دقّة هذه التدابير تُعزّز حماية المرضى والاختصاصيين، فيما تتوافر خدمات الصحة النفسية على نطاق واسع في الإمارات خصوصاً في القطاع الخاص إلى جانب حملات وبرامج توعوية تُنظّمها الجهات المعنية". وفي أبوظبي، تشمل منظومة "ثقة" للتغطية الصحية للمواطنين العلاج النفسي وتُتيح لحامليها الاستفادة من الجلسات في المؤسّسات الخاصة وفق الأنظمة المعتمدة. أمّا في دبي، فتختلف تغطية العلاج بحسب نوع البوليصة، فقد تستثنيه الخطط الأساسية أو تُغطيه جزئيّاً، فيما تتوسّع في الخطط الأعلى وقد يتحمّل التأمين جزءاً من التكلفة أو كاملها وفق البوليصة والتفاهم مع المركز. وتبقى التكلفة عائقاً أساسياً أمام العلاج إذ تراوح الجلسة في دبي بين 1000 و1500 درهم (300 إلى 500 دولار)، بحسب المركز، الخدمات، التخصّص، الخبرة والسمعة. الصحة النفسية في لبنان والإمارات (Magnific) ورغم ارتفاع الدخل، تجعل تكلفة المعيشة المرتفعة هذا المبلغ عبئاً على كثيرين، فيما يُخفّفها التأمين من دون ضمان تغطيتها كاملة، إذ قد تُحدّد البوليصة عدد الجلسات أو نسبة التغطية. أمّا الأدوية النفسية، فتُؤكّد أنَّ "وصفها من صلاحية الطبيب النفسي حصراً، وتخضع لرقابة صحية مشدّدة تشمل التفتيش الدوري والمفاجئ على الوصفات والكميات فيما يضمّ مركزها صيدلية داخلية". ويستلزم تجديد الدواء وصفة جديدة بعد مراجعة الطبيب شخصياً ولا يُمكن تجديدها هاتفياً للحدّ من سوء الاستخدام أو الاتجار غير المشروع. ولا ترى "الوصمة عائقاً بارزاً في دبي، في ظلّ تنوعّها الثقافي وحملات التوعية وإن كانت أكثر حضوراً في إمارات أخرى. العائق الأكبر هو التكلفة، إذ قد تحدّ التغطية التأمينية من عدد الجلسات أو نسبتها". مقارنة بلبنان، تشرح أنَّ "العلاج النفسي أقلّ تكلفة وأكثر قدرة على الوصول إلى شرائح أوسع، إذ تراوح الجلسة بين 20 و30 دولاراً وقد تصل إلى 150 دولاراً بحسب المعالج والمنطقة". في الإمارات، الدخل أعلى لكن تكلفة المعيشة والعلاج مرتفعة أيضاً ما يجعل التأمين عاملاً أساسياً في استدامة العلاج رغم محدودية التغطية. وأبرز ما يُميّز النموذج الإماراتي هو تولي الدولة مباشرةً الترخيص، الرقابة وتحديث الضوابط، بدلاً من ترك تنظيم المهنة للنقابات، معتبرةً أنَّ "ذلك يجعل الإطار أكثر مؤسّساتية ويحدّ من المصالح الشخصية أو ا