يدخل قطاع السيارات المستعملة في لبنان مرحلة جديدة من الانكماش، في ظل تداخل الضغوط الاقتصادية والنقدية مع ارتفاع كلفة الاستيراد والمحروقات والشحن، فيما يتواصل تراجع الطلب. وبينما كانت السيارة تُعدّ في مراحل سابقة من الحاجات الأساسية للأسر، دفعت الأوضاع المعيشية المتدهورة والحرب المتواصلة شريحة واسعة من اللبنانيين إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، لتصبح السيارة، وفق العاملين في القطاع، أقرب إلى الكماليات بالنسبة إلى عدد متزايد من الأسر. لا تقتصر تداعيات التراجع في البيْع على معارض السيارات والمستوردين، بل تمتد إلى شبكة واسعة من القطاعات المرتبطة بهذا النشاط، من الميكانيك والحدادة والزجاج والفرش، وصولا إلى العمال والموظفين الذين يعتمدون بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حركة سوق السيارات. ومع تراجع أعداد السيارات المستوردة من نحو 40 ألف سيارة سابقًا إلى ما بين 15 و20 ألفًا اليوم، تتعمق الضغوط على قطاع كان يشكل جزءًا من الدورة الاقتصادية، فيما تغيب، بحسب نقابة مستوردي السيارات المستعملة، المعالجات الرسمية القادرة على الحد من الخسائر. يصف رئيس نقابة مستوردي السيارات المستعملة إيلي قزي واقع القطاع بأنه لا "يختلف عن واقع سائر القطاعات الاقتصادية، إلا أن الضغوط التي يواجهها تبدو أشدّ، في ظل ارتفاع الرسوم الجمركية من جهة، وصعود أسعار المحروقات وتكاليف الشحن من جهة أخرى". ويشير لـ "نداء الوطن"، إلى أن "الحرب شكّلت العامل الأكثر تأثيرًا في حركة السوق، بعدما أصبح المواطن يعطي الأولوية لتأمين احتياجات أسرته الأساسية على شراء سيارة". ويلفت قزي إلى أن "قطاع السيارات أصبح يُعامل وكأنه من الكماليات، رغم أنه في الأساس من القطاعات الأساسية"، معتبرًا أن "تراجع القدرة الشرائية انعكس مباشرة على حجم الطلب، فيما باتت كلفة تشغيل المعارض وإيجاراتها وسائر المصاريف التشغيلية تضغط أكثر فأكثر على التجار". أمام انكماش السوق، اضطر المستوردون، بحسب قزي، إلى "تخفيف عمليات الشحن، وفي بعض الفترات إلى وقفها، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف النقل والشحن، وهي أعباء مترابطة تدفع القطاع إلى مزيد من التراجع". ويشير إلى أن "قطاع السيارات كان يدخل إلى لبنان نحو 40 ألف سيارة، بينما يتراوح العدد اليوم بين 15 و20 ألف سيارة"، معتبرًا أن هذا "الانخفاض الكبير لا يحظى بالاهتمام الكافي". ويقول إن "لا أحد يسأل عن هذه النقطة"، في وقت لا يرى فيه أن الدولة تضع التجار والقطاعات الاقتصادية في صلب أولوياتها، إذ ينصبّ اهتمامها، بحسب تعبيره، على السياسة ومراكزها. ويؤكد قزي أن النتيجة هي وصول قطاع السيارات إلى "حالة مزرية جدًا"، بعدما بات التجار يتحملون جزءًا كبيرًا من أعبائهم من رأس مالهم، وصولا في بعض الأحيان إلى العجز عن تسديد الإيجارات في مواعيدها، فيما لا يرى في المدى المنظور حلا واضحًا لهذه الأزمة. لا يتوقف أثر أزمة السيارات عند المستوردين والتجار، إذ يلفت قزي إلى أن "مجموعة واسعة من القطاعات ترتبط مباشرة بحركة سوق السيارات". ويشرح أن "تراجع النشاط انعكس على العمالة أيضًا، فالتاجر الذي كان يشغّل خمسة موظفين قد يضطر اليوم إلى الاكتفاء بموظفين اثنين أو حتى موظف واحد". كما تأثرت قطاعات الحدادة والميكانيك وفرش السيارات والزجاج وغيرها من الأنشطة الصناعية والخدماتية المرتبطة بهذا القطاع. ويشدد قزي على أن "هذه المهن كانت تساهم في تحريك الدورة الاقتصادية، وبالتالي فإن تراجع السيارات لا يصيب التجار وحدهم، بل يطال "آلاف العائلات" التي ترتبط مداخيلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بهذا النشاط. ويرى أن "عدم النظر إلى قطاع السيارات من زاوية اقتصادية شاملة، وعدم اتخاذ خطوات لتخفيف الأعباء الجمركية، فاقما هذه التداعيات، في وقت كان يمكن فيه دعم القطاع بما يساهم في إبقاء عجلة الحركة الاقتصادية قائمة". عن الحلول الممكنة، يضع قزي وقف الحرب في مقدمة الأولويات، معتبرًا أن الاستقرار يشكل المدخل الأساسي لأي انتعاش اقتصادي". كذلك يدعو إلى "قيام دولة قادرة على دعم القطاعات الاقتصادية، وفتح المجال أمام الاستثمارات وتشجيعها، بالتوازي مع إعادة هيكلة القطاع المصرفي وفتح قنوات القروض والتقسيط أمام المواطنين". ولا يحصر قزي "مطلب التقسيط بشراء السيارات، بل يراه ضروريًا لمختلف السلع والخدمات، لأن غياب التمويل يقيّد القدرة الشرائية ويشلّ حركة السوق". كما يطالب بإعادة هيكلة القطاع العام، معتبرًا أن "تراجع القدرة الشرائية لموظفي الدولة انعكس على السوق بأكمله، بعدما أصبح الموظف غير قادر، وفق وصفه، على شراء سيارة لابنه من راتبه". ويضع قزي خفض رسم الاستهلاك والرسوم الجمركية على السيارات في صلب المطالب، معتبرًا أن "الرسوم المفروضة على السيارة باتت، في بعض الحالات، تتجاوز قيمتها، ما يرفع سعرها ويحدّ من القدرة على