هل يعود شبح التقسيم ليخيم على المنطقة؟ وهل تدفع باتجاهه في مكان، والاستثمار بالصراعات لتحقيقه في مكان آخر؟ تعيش المنطقة انفجارات تتوسع، كلها على إيقاع صراع عالمي بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، ودولي بين الولايات المتحدة وإيران. على الرغم من المفاوضات المستمرة، فإن الظروف غير متوافرة للوصول إلى اتفاق بين الطرفين، لأن كل طرف يريد الاتفاق لمصلحته. فطهران تعتبر أنها تفاوض من موقع القوة وتنظر إلى ترامب بأنه يريد تغيير الوقائع، ولكنه غير قادر ومتردد في خوض حرب جديدة، وما تقوي طهران به نفسها هو فتح معركة باب المندب والاستثمار بالحرب الدائرة في اليمن ومحاولة حلفائها لضرب أهداف حيوية في المملكة العربية السعودية لعلّ ذلك يضغط على دول الخليج وسعر النفط وواشنطن ويدفعها إلى إبرام الاتفاق مع إيران. وأي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران سيكون على حساب الدول العربية، فبعض الدول قد تقبله ودول أخرى سترفضه أو تنأى بنفسها عنه، ونوع آخر من الدول سيكون أكثر المتأثرين بشكل مباشر خصوصاً سوريا ولبنان والعراق. إسرائيل، تتربص أيضاً بما يجري في اليمن، تريد للحرب أن تستعر أكثر، كي تصل السعودية إلى اقتناع بأن لا أحد يمكنه دعمها عسكرياً بشكل فعال إلا تل أبيب، على أن يكون ذلك مدخلاً إلى التطبيع الأمني والعسكري والسياسي بين الجانبين. يأتي ذلك في ظل محاذرة دول كثيرة الانزلاق إلى حرب اليمن، لا سيما تركيا التي أكد وزير خارجيتها دعمه للسعودية دفاعياً، والمساهمة في إرسال تقنيات عسكرية متطورة، مؤكداً أن أنقرة لا تفكر في إرسال قوات عسكرية إلى أي دولة أخرى. هذا جانب من الحذر التركي من الغرق أو التورط في حرب اليمن ما قد يؤدي إلى استنزاف عسكري وأمني وسياسي واقتصادي لأنقرة، وهو ما سيكون له انعكاس سلبي على الواقع التركي الداخلي، وبين تركيا وإيران، مع ما يمكن أن ينتج عن ذلك من تداعيات، من دون إغفال مساعي إسرائيل لتغذية كل هذه الصراعات والاستثمار بها لإضعاف كل الدول الكبرى في المنطقة. جاء الموقف التركي على لسان هاكان فيدان بعدم إرسال قوات تركية إلى اليمن، بعد أيام قليلة من إعلان تفعيل بروتوكول الدفاع لحلف مكة إثر اجتماع عقد في الرياض، وبعده بساعات جاءت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية وسرعان ما تسربت معلومات عن البحث في إمكانية إرسال قوات سورية لمساعدة السعودية. وما مرّت ساعات على زيارة الشرع إلى الرياض، حتى حط وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أنقرة، فالتقى بوزير الخارجية هاكان فيدان، ورئيس المخابرات ابراهيم كالين، والسفير الأميركي ومبعوث ترامب لسوريا والعراق توم باراك الذي تحدث عن مركزية سوريا ودورها المهم في الشرق الأوسط ومساهمتها في معالجة أزماته. بالتزامن مع هذه الزيارة، وتركيز الأميركيين والأتراك على دور سوريا كممر للنفط والغاز والتجارة وجعلها خطاً بديلاً من مضيق هرمز وباب المندب، كانت إسرائيل تبحث مع قبرص في شراء أسهم من بورصتها، ومع قبرص واليونان في مشروع الكابل البحري الذي يربطها بهما، وهو مشروع يقطع الجرف التركي الأمر الذي يستفز تركيا وحتماً ستبحث في كيفية منعه وعدم تمريره وفي كيفية الردّ عليه. وبما أن الجزء الأكبر من الصراع الدائر في المنطقة وحروب العالم يقوم على التنافس حول ممرات الطاقة ومنابعها ومعابر التجارة، فإن الصراع سيشتد ويكبر. إسرائيل تريد أن تكون هي قبلة كل هذه المشاريع ومحطة التصدير الأساسية، وهي تعلم أنه لا يمكنها القفز فوق دول كبيرة مثل تركيا، والسعودية، لذا لا حل أمامها سوى إضعاف هذه الدول أو تطويقها أو استدراجها إلى اتفاقات معها وبشروطها. وهي طبعاً لا تريد لسوريا أن تلعب هذا الدور وتواصل اعتداءاتها وتوغلاتها وستستمر بالسعي إلى إضعاف سوريا. بالتزامن مع اجتماع حلف مكة في الرياض، والتباحث التركي مع قبرص واليونان حول مشروع الكابل البحري بعد التفاهمات والاتفاقات المتعلقة بالغاز، كانت تل أبيب تعلن استكمال عملها في جنوب سوريا لبناء خط سوفا 53، وهو خط هدفه عملياً اقتطاع جزء من جنوب سوريا، وهذا ما لا ينفصل عن مواصلة إسرائيل استثمارها في أزمة السويداء، للحفاظ على موطئ قدم أوسع في سوريا. وعلى الرغم من أن دمشق استفادت حتى الآن من سياسة تنتهجها بالاستناد إلى دعم أميركي وتركي وعربي لإعادة توحيد أراضيها خصوصاً الوصول إلى الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، إلا أن الأخطار لا تزال وستبقى قائمة وهو أكثر ما ستسعى إسرائيل إلى تغذيته لاحقاً. فتل أبيب ستضغط على سوريا لعدم الانضمام إلى حلف مكة. وإذا انضمت سوريا وشاركت في مساندة السعودية، فقد تكون عرضة لضربات من حلفاء إيران سواء مجموعات داخل سوريا، أو في العراق أو لبنان. هذا ما يعيد سوريا إلى حالة الحرب والاستنزاف. المؤكَّد أن إسرائيل تريد إضعاف كل دول المنطقة، من إيران إلى تركي