حين فقد اللاجئ الفلسطيني وطنه ومصادر رزقه، لم يبق أمامه سوى التعليم كنافذة يطل منها على مستقبل مختلف، وهنا شكّلت مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" على مدى عقود بوابةً للتعليم أمام أجيال من اللاجئين الفلسطينيين، وأسهمت في تخريج كفاءات أثبتت حضورها في ساحات الثقافة والسياسة والعلوم على المستوى الدولي. وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شاع وصف الشعب الفلسطيني بأنه من أكثر الشعوب العربية تعلّمًا، في دلالة على المكانة التي احتلها التعليم في حياة اللاجئين الفلسطينيين، رغم ظروف النكبة اللجوء وما فرضته من مآسي. ولم تكن مدارس "أونروا" مجرد أماكن لتلقي الدروس، بل فتحت الطريق أمام أجيال من اللاجئين الفلسطينيين نحو الجامعات والمهن، وخرّجت أطباء ومهندسين وأكاديميين ومثقفين حملوا شهاداتهم من المخيمات إلى الجامعات، ثم إلى مواقع العمل داخل لبنان وخارجه. لكن هذه الصورة تبدو اليوم أمام واقع مختلف، في ظل تقليصات متتالية، ودمج وإغلاق مدارس، واكتظاظ في الصفوف، ونقص في الكادر التعليمي، وتراجع في أيام التدريس والخدمات، إلى جانب ضغوط تطال العاملين في القطاع التعليمي. فهل ما زالت مدارس "أونروا" قادرة على أداء الدور الذي أدته في السابق، وتأمين التعليم الذي شكّل لعقود بوابة اللاجئين الفلسطينيين نحو مستقبل أفضل؟ أم أن التحديات المتراكمة بدأت تُبعد هذا الدور عن الصورة التي عرفتها أجيال سابقة؟ للإجابة عن هذا السؤال، رصد موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين شهادات خريجين من مدارس "أونروا" عايشوا مراحل مختلفة من مسيرتها التعليمية، إلى جانب شهادات من الأهالي وناشطين في الشأن التعليمي، للوقوف عند الفارق بين مدرسة الأمس واليوم. وتكشف هذه الشهادات عن تحولات واضحة في مستوى التعليم ودور المدرسة، وعن فجوة يصفها أصحابها بأنها تتسع بين تجربة تعليمية سابقة كان فيها الطالب يعتمد بدرجة كبيرة على المدرسة والمعلم، وواقع حالي يواجه فيه الطلاب والأهالي تحديات إضافية، بينها الحاجة إلى التعليم المساند خارج المدرسة، وسط تراجع الإمكانات واستمرار التقليصات. تقليصات متسارعة تهدد التعليم في قراءة لواقع التعليم اليوم، يرى رئيس الهيئة (302) للدفاع عن حقوق اللاجئين، علي هويدي، أن مدارس "أونروا" تواجه تدهورًا واضحًا في العملية التعليمية، واصفًا الوضع بأنه "كارثي"، وأشار إلى تراجع عدد الطلاب من نحو 37 ألف طالب في العام الدراسي الماضي إلى نحو 35 ألف طالب وطالبة حاليًا. كما أشار إلى تراجع عدد المدارس من 61 مدرسة في العام الماضي إلى نحو 57 أو 58 مدرسة حاليًا، معتبرًا أن ذلك يربك العملية التعليمية، ولفت إلى أن وعودًا بإنشاء مدرسة أخرى في مخيم برج الشمالي، جنوب لبنان، لم تُنفّذ. وأوضح هويدي أن دمج المدارس وإغلاق بعضها يؤديان إلى زيادة الكثافة الطلابية داخل الصف الواحد، فضلًا عن انتقال طلاب إلى مدارس أخرى، ما يؤثر في العملية التربوية والنفسية للطلاب، الذين يحتاجون إلى إعادة التكيف مع بيئة جديدة. وأشار إلى أن مدارس "أونروا" باتت تعمل أربعة أيام بدلًا من خمسة، معتبرًا أن ذلك ينعكس على قدرة الطلاب على تلقي المنهاج بسلاسة، ولفت إلى أن الأهالي يواجهون أيضًا أعباء إضافية، بينها تكاليف نقل الطلاب إلى مدارس أخرى، إلى جانب العبء التعليمي الناتج عن الحاجة إلى متابعة أبنائهم في ظل هذه الظروف. وقال: "الطالب في مأزق، والموظف في مأزق، والأهالي أيضًا في مأزق". وحذّر هويدي من أنه "إذا بقي الحال على ما هو عليه، فهناك مخاوف من ارتفاع نسبة التسرب المدرسي في مدارس الوكالة"، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على الطلاب والأسر والمجتمع الفلسطيني ككل. وفي ما يتعلق بموظفي التعليم، أشار هويدي إلى أن رواتبهم خُفّضت بنسبة 20%، معتبرًا أن ذلك ينعكس على قدرتهم على تقديم المادة التعليمية بالشكل المطلوب. وأضاف أن الحالة النفسية صارت تسيطر على موظفي التعليم، في ظل قلق ومخاوف كبيرة جدًا من المرحلة المقبلة ومن اتخاذ إجراءات جديدة بحقهم، وهو ما ينعكس على قدرتهم على أداء عملهم بصورة طبيعية. وفي السياق نفسه، قال هويدي: إن الوكالة لا تستجيب لنداءات المجتمع المحلي والمرجعيات الفلسطينية لعقد لقاءات جماعية معها، سواء على مستوى اللجان الشعبية أو الفصائل الفلسطينية أو مؤسسات المجتمع المدني، بهدف وضع خطة مشتركة بين هذه المكونات. وأضاف: "منذ زمن دعونا إلى أن يكون هناك مؤتمر تقييمي للعملية التعليمية، وأخذ احتياجات طلابنا بعين الاعتبار وفق الميزانيات المرصودة لـ"أونروا" لتغطية الحاجة التعليمية، وأن يكون هناك شفافية وشراكة وتنسيق جدي، لكن للأسف الشديد الوكالة غير متجاوبة في هذا السياق". مدارس "أونروا" كانت بوابة إلى المستقبل وأكد هويدي وجود "فارق كبير جدًا" بين العملية التعليمية في السابق والوضع الحالي، قائ