في مدينة غزة، صار الحصول على المياه والطعام ووقود الطهو معركة يومية توازي في قسوتها الخوف من القصف. ومع تواصل التصعيد الإسرائيلي واستهداف خيام النازحين ومرافق صحية، تتراجع قدرة السكان على تأمين أبسط احتياجاتهم، فتقنّن العائلات المياه، وتعتمد على التكايا الخيرية، وتستبدل غاز الطهو بالحطب الباهظ. وطاول أحدث الاستهدافات مبنى داخل "مستشفى شهداء الأقصى" في دير البلح، وسط القطاع، ما أثار مخاوف بشأن قدرة المرافق الصحية على مواصلة تقديم خدماتها للمرضى والجرحى، تحت وطأة الضغوط التي تواجهها المنظومة الطبية. يشكّل نقص المياه أحد أبرز التحديات التي تواجه السكان. ويقول خليل حميد لـ"النهار": "نحتاج إلى المياه كثيراً، في ظل نقص حاد فيها، وما يصل إلينا من مياه لا يكاد يلبي احتياجاتنا الأساسية". ويضيف حميد أن محدودية المياه تجبر العائلات على تنظيم استهلاكها والاقتصاد في استخدامها، من الشرب والطهو إلى النظافة الشخصية. وتتضاعف الصعوبات بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن، الذين يحتاجون إلى رعاية واحتياجات يومية يصعب تأمينها وسط هذا النقص. نازح فلسطيني يحمل عبوات فارغة في طريقه للتزوّد بالمياه العذبة في دير البلح وسط قطاع غزة في 14 آب/أغسطس 2026. (أ ب) الحطب بدل الغاز... والطعام من التكايا مع شح المياه، تواجه الأسر أزمة أخرى تتمثل في نقص غاز الطهو، ما يدفعها إلى استخدام الحطب لإعداد الطعام رغم ارتفاع أسعاره. ويقول الطفل علي عمر الذي يعمل في بيع الحطب، لـ"النهار"، إن المواطنين يلجأون إلى شرائه بسبب عدم توافر الغاز، مشيراً إلى أن بعض المرضى يضطرون أيضاً إلى استخدامه، رغم الأعباء والمخاطر التي ترافق ذلك. وتمتد الأزمة إلى الغذاء، إذ يقول محمد البوبو إن سكان غزة يواجهون شحاً في الطعام وتراجعاً في المساعدات، ما يدفع كثيراً من العائلات إلى الاعتماد على التكايا الخيرية لتأمين وجباتها. ويصف البوبو لـ"النهار" الخيارات التي تواجهها الأسر بـ"الصعبة"، إذ تضطر إلى الموازنة بين تأمين الطعام والمياه والملابس ومحاولة حماية أفرادها من القصف والاستهداف. وبحسب البوبو، وصل سعر الحطب إلى نحو 8 شواكل (نحو 2.7 دولار أميركي) مع غياب غاز الطهو، ما يزيد الأعباء المالية على المواطنين. ويقول إن وتيرة التصعيد ازدادت، وإن القصف واستهداف الخيام يفاقمان خوف السكان، مضيفاً أن "حجم المعاناة على الأرض يتجاوز ما يمكن وصفه بالكلمات". فلسطينيون يستخدمون مواد قابلة للاشتعال جمعوها من مكب للنفايات وقوداً للطهي، بسبب نقص الغاز، في دير البلح وسط قطاع غزة في 22 آب/أغسطس 2026. (أ ب) يقول عبد الرحمن جرادة إن سكان قطاع غزة يعيشون للعام الثالث على التوالي تداعيات الحرب، وسط تدهور الظروف الصحية والبيئية وانتشار الأمراض الجلدية وشح المياه. ويشير جرادة، في حديثه مع "النهار"، إلى أن الظروف الحالية دفعت أعداداً كبيرة من السكان إلى العيش في أماكن "تفتقر إلى مقومات الحياة"، فيما يفترش النازحون الأرض أو يقيمون في خيام "تحت أشعة الشمس الحارقة". ويعزو هذا الواقع إلى استمرار الحصار وتراجع الخدمات، إلى جانب الخروقات الإسرائيلية وعدم الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار. وفي السياق نفسه، يؤكد محمود العوضية أن العمليات العسكرية لم تتوقف، مضيفاً: "إسرائيل تعمل على خلق ذرائع لتبرير هذه الاستهدافات، من بينها الحديث عن الطائرات الورقية والبالونات". ويلفت العوضية لـ"النهار" إلى أن القصف يترك أثراً نفسياً كبيراً على السكان والنازحين، خصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن، معتبراً أن استمرار الاستهدافات يخلق حالة من الخوف وانعدام الأمان حتى في أماكن النزوح. ويرى أن الحديث عن وقف إطلاق النار "لا يتطابق مع ما يجري على الأرض"، قائلاً إن "الميدان يشهد على الخروقات". وبين شح المياه ونقص الغذاء وغاز الطهو، واستمرار الاستهدافات وتدهور الظروف الصحية والبيئية، تنشغل عائلات غزة بتأمين أبسط احتياجاتها اليومية، فيما تتقلص خياراتها وتتسع دائرة معاناتها يوماً بعد يوم.