لم يعد الاقتصاد اللبناني يعيش مرحلة الانهيار المالي الصاخب الذي ميّز عام 2019، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، عنوانها الاستقرار النقدي الهش مقابل انكماش اقتصادي مزمن واستنزاف متواصل لمقومات الإنتاج والنمو. فبعد انهيار سعر الصرف وتجمّد الودائع وتآكل القدرة الشرائية، نجحت الدولرة الواسعة وإجراءات مصرف لبنان في احتواء الفوضى النقدية وتثبيت سعر الصرف، إلا أن هذا الاستقرار لم يترافق مع تعافٍ اقتصادي حقيقي أو إعادة بناء للقطاعات الإنتاجية، بل أخفى اقتصادًا يعمل عند مستويات متدنية ويعتمد بصورة متزايدة على النقد خارج النظام المالي الرسمي. في قراءة للمرحلة الراهنة، يحذّر أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية د. جاسم عجاقة من أن لبنان انتقل من "نوبة قلبية مالية" حادة إلى حالة من "الفشل المزمن"، حيث تتراكم المخاطر الهيكلية من توسع اقتصاد الكاش والتهرب الضريبي، إلى تهديد علاقات المراسلة المصرفية، واستنزاف مدخرات الأسر وأصولها، وصولا إلى النزيف المتواصل لرأس المال البشري. وبينما يبدو الاقتصاد أكثر هدوءًا مقارنة بفوضى 2019، فإن هذا الهدوء، بحسب عجاقة، لا يعكس تعافيًا بقدر ما يكرّس "وهمًا بالاستقرار" قد يؤخر الإصلاحات الضرورية ويُبقي لبنان عالقًا في اقتصاد هدفه الأساسي البقاء لا النمو. يشرح عجاقة أن "الأزمات المالية تترك عادةً في ذاكرة الناس مشاهدها الأكثر حدة، من التهافت على سحب الودائع من المصارف، وانهيار قيمة العملة، والاحتجاجات، وصولا إلى النقص المفاجئ في السلع". ويشير لـ "نداء الوطن"، إلى أن "لبنان اختبر هذه المشاهد بقوة منذ عام 2019، حين تفاقمت الأزمة المالية وتوالت الأحداث الجسيمة خلال فترة زمنية قصيرة للغاية". ويلفت عجاقة إلى أن "العملة اللبنانية، التي ظلت مرتبطة بسعر صرف ثابت لعقود، انهارت خلال أشهر قليلة، فيما فقدت الأسر إمكانية الوصول إلى مدخرات العمر المودعة في المصارف، وأدى التضخم إلى تآكل القيمة الحقيقية للأجور". لكنه يشدد على أن "الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الانهيار الحاد الذي شهده لبنان عام 2019، بل في الأزمات الهيكلية الأعمق التي ترسخت لاحقًا، والتي تجعل التعافي وإعادة البناء أكثر صعوبة". ويصف عجاقة انهيار 2019 بأنه كان أشبه بـ"قطرة في بحر" مقارنة بما يمكن وصفه بـ"نوبة قلبية مالية" أصابت الاقتصاد، فيما تشبه المرحلة الحالية، برأيه، اقتصادًا يعاني من "فشل مزمن". ففي السوق السوداء، تنافست أسعار صرف متعددة، واستحال وضع تصور مستقر لتسعير السلع والخدمات نتيجة التضخم المفرط، في وقت اتسم سلوك المستهلكين بالذعر والاضطراب والتقلب الحاد في أنماط الشراء. يؤكد عجاقة أن "الاقتصاد اللبناني استقر منذ ذلك الحين عند مستوى متدنٍ من التوازن، مدفوعًا بمبادرات مصرف لبنان، والانتشار التلقائي للدولرة في أسواق المعاملات، إلى جانب مزيج من السياسات النقدية التي ساهمت في تثبيت سعر الصرف عند مستوى 89 ألف ليرة للدولار الأميركي". غير أن هذا الاستقرار، بحسب عجاقة، لا "يعكس تعافيًا اقتصاديًا حقيقيًا، بل يمثل "وهمًا" يخفي اختلالات أعمق. فهو لم ينتج من نمو اقتصادي مستدام، كما لم يكن نتيجة توسع في الصناعات التحويلية أو تطوير استراتيجية نمو اقتصادي قابلة للاستمرار ماليًا. بل يعكس واقع اقتصاد راكد ومتقلص، أدى إلى إخراج المواطنين الأكثر فقرًا من دائرة القدرة الشرائية". ويشير إلى أن "معدلات التضخم المفرط اليومية توقفت مع تطبيق الدولرة، إلا أن هذه العملية أضعفت في المقابل سيادة الدولة على سياستها النقدية، كما حصل في تجارب دول أخرى اعتمدت النهج نفسه. والأهم أنها ساهمت في ترسيخ التفاوت المتزايد في الدخل داخل بنية الاقتصاد اللبناني، بين فئة تتقاضى أجورها بالعملة الأجنبية، وأخرى لا تزال خاضعة لنظام أجور محلي تآكلت قدرته الشرائية". يضع عجاقة "التوسّع المتزايد للأنشطة الاقتصادية القائمة على النقد وغير الخاضعة للرقابة في صدارة المخاطر التي تهدد الاقتصاد اللبناني. فشلل القطاع المصرفي الرسمي"، بحسب شرحه، "أوجد بيئة جديدة باتت فيها الغالبية العظمى من الأنشطة الاقتصادية تُنفّذ نقدًا، فيما تتجاوز نسبة النشاط القائم على الكاش حاليًا 50 % من إجمالي النشاط الاقتصادي". ولا ينكر عجاقة أن "التعاملات النقدية لعبت دورًا في مساعدة الأسر وأصحاب المشاريع الصغيرة على الاستمرار وتأمين احتياجاتهم وضمان بقائهم في ظل الأزمة". لكنه يحذّر من أن "استمرار هذا النموذج يفرض عبئًا هائلا وطويل الأمد على الاقتصاد الكلي، ويخلق تداعيات تتجاوز حدود القطاع المصرفي". يشرح عجاقة أن "أولى التداعيات تتمثل في التهرب الضريبي وانكماش الإيرادات العامة. فالدولة، في ظل التدفقات النقدية غير الرسمية وغير الموثقة، تصبح عاجزة عن تحصيل إيراداتها الضريبية بصورة فعالة، ما يحرم الخزينة من ملايين الدولارات