الأزمة الاقتصادية في لبنان... المواطن بين نار الأسعار وضيق المعيشة 10 تشرين الأول 2026 · 01:12 ص قراءة في 3 دقائق حجم الخط د. مهى محمّد مراد لم تعد الأزمة الاقتصادية في لبنان مجرد أرقام ومؤشرات اقتصادية تتناولها التقارير والنشرات الإخبارية، بل تحوّلت إلى واقع يومي يعيشه المواطن في كل تفاصيل حياته، فمنذ سنوات، والمواطن اللبنانيّ يواجه ارتفاعاً متواصلاً في كلفة المعيشة، فيما بقيت مداخيله عاجزة عن مواكبة الارتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات. ومع كل ارتفاع جديد في أسعار المحروقات، يشعر المواطن بأنّ موجة جديدة من الغلاء تقترب منه... فالوقود لا يرتبط فقط بسعر البنزين أو المازوت، بل يدخل بصورة مباشرة في كلفة النقل والإنتاج والتوزيع، وبالتالي في أسعار معظم السلع والخدمات. وعندما ترتفع كلفة النقل، ترتفع معها كلفة نقل المواد الغذائية والمنتجات والمواد الأولية، لتصل الزيادة في النهاية إلى المستهلك الذي يجد نفسه أمام أسعار جديدة لا تتناسب مع قدرته الشرائية. إنّ المواطن الذي يستخدم سيارته يومياً للوصول إلى عمله أصبح مضطراً إلى تخصيص جزء كبير من دخله للمحروقات، أما من يعتمد على سيارات الأجرة أو وسائل النقل، فيتحمّل بدوره زيادة كلفة التنقل... وفي الحالتين، تصبح المسافة بين المنزل ومكان العمل عبئاً إضافياً على الأسرة اللبنانية. وفي الأسواق، تبدو المعاناة أكثر وضوحاً، أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية أصبحت تشكّل هاجساً يومياًً للعائلات، فالمواطن يقف أمام رفوف المتاجر، يقارن الأسعار، ويحسب ما يستطيع شرائه وما عليه تأجيله، وبعضُ من الأسر خفّضت استهلاكها من اللحوم والمواد الأساسية، وأخرى باتت تبحث عن بدائل أرخص، فيما اضطرت عائلات إلى الاستغناء عن بعض الاحتياجات التي كانت تعتبر سابقاً جزءاً طبيعياً من حياتها. ولا تتوقف الأزمة عند الطعام والوقود... فهناك كلفة الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل والتعليم والاستشفاء وغيرها من المصاريف التي تستهلك قسماً كبيراً من دخل الأسرة، وبالتالي، ومع تراكم هذه النفقات، يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة: دخل محدود في مقابل مصاريف ترتفع بصورة مستمرة. أمّا الطبقة الوسطى التي كانت تشكّل في السابق صمّام أمان اجتماعياً واقتصادياً في لبنان، فلم تعد بمنأى عن الأزمة، فالكثير من الأسر التي كانت قادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية والادخار للمستقبل أصبحت اليوم تكافح للحفاظ على المستوى المعيشي نفسه، والمدخرات التي كانت تستخدم للطوارئ أو لتعليم الأبناء أو لتحسين ظروف العائلة، بدأت تُستهلك لتغطية المصاريف اليومية. وأصبح السؤال المتكرر داخل الكثير من المنازل: كيف سنتمكن من تغطية مصاريف الشهر المقبل؟ فأمام هذا الواقع، لم يعد المطلوب معالجة مؤقتة للأسعار، بل سياسة اقتصادية متكاملة تعالج جذور الأزمة. والمطلوب دعم القطاعات الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار، وتأمين فرص عمل حقيقية، ومراقبة الأسواق، والحد من الاحتكار والاستغلال، إلى جانب سياسات تحمي الفئات الأكثر تضرراً وتعيد للمواطن جزءاً من قدرته على مواجهة أعباء الحياة. إنّ المواطن اللبناني لا يريد حلولاً على الورق فقط، بل يريد أن يلمس التغيير في حياته اليومية، في سعر السلع، وفي كلفة النقل، وفي قدرته على تأمين الغذاء والتعليم والاستشفاء لعائلته. فالأزمة الاقتصادية ليست مجرد أرقام تتغير في التقارير، بل هي حياة الناس وقلقهم ومستقبل أبنائهم، والمقياس الحقيقي لأي تحسن اقتصادي يبقى في قدرة المواطن على أن يعيش بكرامة، وأن يؤمّن احتياجات عائلته من دون أن تتحوّل كل زيادة في سعر الوقود أو أي سلعة إلى أزمة جديدة داخل منزله. لبنان يحتاج إلى استعادة الثقة بالاقتصاد وبالمستقبل، والمواطن يحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر بأن هناك من يسمع صوته ويضع معاناته في مقدمة الأولويات.