في شهر تشرين الأول/ أكتوبر، اقتحم الجيش المصري خط بارليف وتقدّم لتحرير الأرض المصرية المحتلة بعد حرب سنة 1967، وفي تاريخ آخر من الشهر ذاته، عَبَرت حركة حماس إلى الأرض الفلسطينية المحتلة بعد نكبة حرب 1948، ومع حماس ومؤازرةً لها، دخلت المقاومة الإسلامية الحرب انطلاقاً من الأرض اللبنانية. تشرين التأريخي، لم يكن هو ذاته على الجبهات الثلاث، المصرية والفلسطينية واللبنانية، لكن تشرين السياسي عاد ليجمع حصيلة الجبهات في خلاصة سياسية واحدة. على الجبهة المصرية، كان العبور الحربي ضرورة سياسية للوصول إلى الخلاصة السلميّة، هذا ما أسفرت عنه المفاوضات التي توجتها اتفاقية كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل. إذن، وفي قراءة استرجاعية، لم يكن الهدف البعيد للقرار السياسي المصري إدامة المعركة حتى تحرير كل الأرض الوطنية المحتلّة سابقاً، بل كان الهدف فرض شروط ميدانية مختلفة، طليعتها تحرير ما يمكن تحريره، وختامها التفاوض حول ما يجب استكمال تحريره واستعادته بوسائل سياسية هادئة... وهكذا كان، بعد أن تابع الرئيس المصري، أنور السادات، "هجومه" السلمي فزار إسرائيل وخاطب الكنيست، مسلّحاً بما كان قد جناه من الميدان، ومستعيناً بظرفٍ دوليّ مؤاتٍ كان يرى في خروج وزن مصر المحوري، ودورها القيادي، من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، اختلالاً استراتيجياً ضمن المعادلة الإقليمية، وضمن معادلة الحرب الباردة التي كانت "مستعرة" بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي. خلاصة العبور المصري كانت نقطة ختام لكل المرحلة "الناصرية"، مع كلّ ما حملته من شعارات ومن وعود ومن تحالفات عربية وإقليمية ودولية. على الجبهة الفلسطينية، ومن قطاع غزّة تحديداً، أقدمت حركة "حماس" على العبور من حالة "ستاتيكو" سائدة بينها وبين إسرائيل، إلى طموح تحسين شروط السياسة التي تضبط العلاقة معها، وإلى تثمير نتائج العبور الناجح، في إدارة موازين السياسة بين "حكم" غزّة وحكومة السلطة الفلسطينية في رام الله. لكن ماذا كانت النتائج؟ وما الواقع الجديد الذي تمخَّضَ عنه؟ استهلالاً، سريعاً بَانَ خطأ الحسابات التي سبقت الاستعداد للعملية الهجومية الكبرى، وتلك التي أَمْلَتْ إطلاق رصاصة تنفيذها. حشدٌ من الوقائع العملية يشهدُ للخطأ- الخطيئة التي وقعت في شباكه حركة حماس. وهذا على صعيد التعداد، كان الخطأ- الخطيئة الثاني بعد الانقلاب الانشقاقي الذي أقدمت عليه سنة 2007، فكانت حصيلته توزيع القرار الفلسطيني على "حكمين"، وكان من أضراره البالغة توفير غطاء الهروب من نقاش حلّ الدولتين، لحكومة نتنياهو التي استثمرت في الانشقاق الفلسطيني وأضافت إليه، من عناصر مشروعها التوسّعي الأصلي، الذي تشهد الضفّة الغربيّة اليوم المزيد من تجلّياته. تلجأ حماس راهناً، إلى تمويه فشلها بعناوين لم تكن واردة في حساباتها الهجومية الأولى. أوّل هذه العناوين الإدّعاء غير المُسند، أن هدف العملية كان تحريك الملف الفلسطيني، وإعادة وضعه على طاولة الاهتمام السياسي؟! والعنوان الثاني، هو ادّعاء أن المعركة حققت هدفها "الإحيائي" فبات الملف- القضيّة على الطاولة. هذا الادعاء تسنده حركة حماس بمظاهر "التعاطف العالمي... وبكشف حقيقة العدوانية الإسرائيلية لدى رأي عام دوليّ واسع...". عنصر التضليل في ادعاء التعاطف واضح، فحماس تجيّر التعاطف الإنساني مع أهل غزّة المنكوبين، إلى حساب عمليّاتها، وتنسب الغضب الذي اتَّسعت دوائره، بسبب من التدمير الممنهج الواسع للحياة ولأسبابها في غزّة، إلى المواجهة التي افتتحتها مع إسرائيل المختبئة خلف قناع "الضحيّة" المستهدفة دائماً بحقها "في الوجود"، وبالحياة الآمنة فوق "أرض الميعاد". ما الخلاصة من العبور الفاشل استراتيجيّاً، الذي نفّذته حركة حماس؟ يتبادر إلى الذهن، وينزل أرض الواقع، القول: إن المقاومة كما خيضت منذ ما بعد 1965، وحتى اليوم قد وضعت "أوزارها" لدى توقيع اتفاق أوسلو، وأن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي قد انتقل إلى مراحل جديدة لا تشبه مراحل الكفاح السابقة. وعليه، بات المطلوب من الفلسطينيين، في فلسطين وخارج فلسطين، التفكير مليّاً في السياسات الأجدى، وفي الوسائل الأنفع لإدارة مسألة صراعهم من أجل الفوز بالاعتراف بشخصيتهم الوطنية الفلسطينية المستقلة، والفوز بتثبيتها فوق رقعة جغرافية تنتمي إلى فلسطين الأصلية، تتصل بها وتتواصل معها، وذلك على طريق صراع تاريخيّ طويل، سيظلّ فيه حلّ الدولتين، دليلاً مرشداً لكل السالكين الأصليين، ولكل المؤازرين الدوليين، وفي مختلف المحافل الدوليّة. إذن من منصّات الآخرين، إلى منصّة فلسطين، ومن شعاريات الأمّة والإسلامية والقومية والكفاح المسلّح، التي قاربت الإطاحة بالباقي من "الرمزية" الفلسطينية، إلى ما قد يستدرك لإيقاف الخسارة، كتمهيد ضروري لاستعادة بعضٍ مما تطمح إليه الوطنية الفلسطينية. على الجبهة اللبنان