لا يمكن قراءة تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بعد لقائه مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين الخميس الماضي، حول سرعة تطور التفاعل بين إيران وروسيا، بمعزل عن تطورات المنطقة من اليمن إلى الخليج. فعندما يتحدث الرئيس الإيراني عن تنسيق "ممتاز" مع موسكو ويعتبر الوقت الراهن هو الأنسب لتعميق التعاون، فهو لا يتحدث عن تبادل تجاري فقط، وإنما عن توقيت مضبوط على ساعة طهران. هي محاولة إيرانية لكسر العزلة عبر البحث عن "سند" دولي لمواجهة أي تصعيد أميركي محتمل، خصوصاً في ظل التسريبات الإعلامية حول خطة هجوم واسع يعدها البنتاغون لضرب إيران، وإن كان الرئيس دونالد ترامب قال بوضوح إنه لن يهاجم قبل انتخابات التجديد النصفي. بديهي أن إيران بزشكيان التي تواجه عقوبات أميركية خانقة كان آخرها ما أعلنت عنه وزارة الخزانة الأميركية يوم الخميس واستهدفت أسطول الظل الإيراني، تحتاج إلى التكنولوجيا العسكرية الروسية ومنظومات الدفاع الجوي المتقدمة بالإضافة إلى الدعم الدبلوماسي من بوابة الفيتو الروسي في مجلس الأمن. كذلك فإن "المظلة" الروسية، من وجهة النظر الإيرانية، تعني توفير غطاء نووي وسياسي لإيران ويقلل من فعالية أي تهديد أميركي بشن هجوم على الجمهورية الإسلامية. أما روسيا بوتين فتحتاج من جهتها، إلى المسيرات الإيرانية والذخيرة وفتح أسواق بديلة، خصوصاً أنها تقبع هي الأخرى تحت عقوبات أميركية وأوروبية واسعة على خلفية الحرب الأوكرانية. كما أن بوتين يرى أن تعميق العلاقة مع إيران يمنحها نفوذاً دولياً أوسع وورقة ضغط يمكن استغلالها في الخليج والبحر الأحمر، إذ ثمة من يرى في موسكو أن أي توتر أو تصعيد في البحر الأحمر من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وهذا أمر يصب في مصلحة روسيا ويخدم اقتصادها المنهك، ولو بطريقة غير مباشرة، وبالتالي هي تحتاج إلى هذا المحور. وفي الوقت نفسه فإن التصعيد في منطقة باب المندب، وإذا أضفنا إليه التوترات في مضيق هرمز، سيقود من وجهة النظر الروسية إلى تشتيت الانتباه الأميركي عن حرب أوكرانيا. لذا وجدت في طهران شريكاً جاهزاً لاستنزاف واشنطن في أكثر من جبهة. إذن ما بين إيران وروسيا حالياً أقرب إلى التشابك في الحاجة، وقد جرى اختيار توقيته بعناية حيث جاء بعد أيام من تصعيد غير مسبوق في اليمن واعتراض صواريخ باليستية فوق الرياض وتقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" حول "تزويد الحوثيين ببيانات أقمار صناعية عبر الحرس الثوري لتوسيع هجماتهم في البحر الأحمر". كما يأتي بعد أيام على تفعيل "تحالف مكة" بين السعودية وتركيا وباكستان. وبالتالي وجدت طهران نفسها مضطرة للرد عبر محاولة ترسيخ محور خاص مع موسكو عنوانه "التعددية"، وقد عبّر بزشكيان عن ذلك بوضوح حين قال إن "العالم والمنطقة بحاجة إلى التحرك نحو التعددية" متهماً الولايات المتحدة بفرض سياساتها وترسيخ هيمنتها. غير أن "التعددية" التي تبحث عنها إيران وروسيا انطلاقاً من محور، دونها تحديات واختلاف في الحسابات لدى كل طرف: أولاً، روسيا لا تريد أن تخسر علاقاتها التاريخية بدول الخليج والتي استثمرت فيها لسنوات، في حين لا ترغب طهران بأن تتحول إلى مجرد مورد للسلاح إلى موسكو من دون مقابل أقله الحصول على أسلحة كمقاتلات سوخوي 35 ومنظومات الدفاع الجوي المتقدمة والفاعلة كإس 400 التي تتضارب المعلومات حول تسليمها في ظل ترجيحات بأن روسيا تتمنع حتى الآن عن تقديمها إلى إيران خشية خسارة أوراقها في الخليج. ما دفع مراقبين إلى اعتبارها مماطلة روسية غرضها الإشغال، لا التعامل مع طهران كحليف استراتيجي متكافئ، مستندين في ذلك إلى اعتبار أن ذلك النوع من السلاح أساسي بالنسبة لإيران لأنها تحتاجه في الدفاع عن نفسها وإطالة أمد المواجهة إذا ما تعرضت لهجمات جديدة. ثانياً، إن توسع التعاون وتشعبه بين إيران وروسيا قد يدفع إلى ردود فعل إقليمية كأن تسارع السعودية وتركيا وباكستان إلى توسيع تحالفاتها، ليعود الشرق الأوسط إلى لعبة المحاور المتضادة التي أثبتت فشلها إذ ترى دول عدة بأنها لم تجلب سوى المزيد من الأزمات. فيما قد تتخذ إسرائيل من أي تقارب روسي-إيراني ذريعة لاستئناف الحرب على إيران وعودة التصعيد إلى المنطقة. ثالثاً، إن لعب روسيا ورقة التصعيد في مضائق إمدادات النفط هو سلاح ذو حدين خصوصاً أنه لا يمكن تجاهل أن أكبر المتضررين من التوترات في المنطقة هما الصين والهند اللتان تعتبران من أهم شركاء روسيا وبالتالي يبقى موقف بكين هو الضامن الحقيقي والذي يرجّح كفة الميزان في نظام "تعددي" مستقبلي. في المحصلة، فإن ما قاله بزشكيان بعد لقائه بوتين لم يكن مجاملة دبلوماسية، بل تعبير عن محاولة لانتقال العلاقة الإيرانية-الروسية من التنسيق الظرفي إلى التحالف الاستراتيجي، لكن رغم ذلك فإن "تشابك الحاجة" بين موسكو وطهران يبقى هشاً لأنه يرتبط بثلاث لاءات أولها: أن بكين لن